فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه(1) وجزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه(2) أن ّ الحسين ـ عليه السلام ـ لمّا قصد العراق وشارف الكوفة، سرّب إليه أميرها يومئذ عبيد الله بن زياد الجنود لمقاتلته أحزاباً، وحزّب عليه الجيوش لمقاتلته أسراباً، وجهز من العساكر عشرين ألف فارس وراجل(3) يتتابعون كتائباً وأطلاباً، فلما حصروه وأحدقوا به شاكين في العدة والعديد، ملتمسين منه نزوله على حكم بن زياد أو بيعته ليزيد، فإن أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد، ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد، فتبعت نفسه الأبيّة جدها وأباها، وعزفت عن إلتزام الدنية فأباها، ونادته النخوة الهاشمية فلباها، ومنحها الإجابة إلى مجانبة الذلة وحباها، فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ضباها، ومصادمة صوارمها وشيم شباها، ولا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه(4) خدوداً وجباهاً، وقد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه وكاتبوه وطاوعوه وبايعوه وسألوه القدوم عليهم ليبايعوه، فلما جاءهم كذّبوه ما وعدوه، وأنكروه وجحدوه ومالوا إلى السحت العاجل فعبدوه، وخرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه، فنصب ـ عليه السلام ـنفسه و إخوته وأهله وكانوا نيفاً وثمانين لمحاربتهم(5) واختاروا باجمعهم القتل على متابعتهم، ليزيد ومبايعتهم، فاعلقتهم الفجرة الطغاة، وأرهقتهم المردة اللئام، ورشقتهم النبال والسهام، وأوثقتهم من شبا شفارهم الكلام.
هذا والحسين ـ عليه السلام ـ ثابت لا تخف حصاة شجاعته، ولا تخف عزيمة شهامته، وقدمه في المعترك أرسى من الجبال، وقلبه لا يضطرب لهول القتال، ولا لقتل الرجال، وقد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعاً جماً، وأذاقوهم من الحمية الهاشمية رهقاً وكلماً، ولم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في قاصديه وقتل واغمد ظبة في أبشارهم وجدل فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد، وتناشبت الأجلاد في المنازلة بالحداد، ووثبت كثرة الألوف منهم على قلة الآحاد، وتقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد، فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح وباء الفجرة بالآثام في الأجساد، فسقطت أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيداً، ونطقت حالهم بأن ّ لقتلهم يوما تَوَدُ لو أن ّ بينها وبين قتلهم أمداً بعيداً، وتحققت النفوس المطمئنة بالله كون الظالم والمظلوم شقياً وسعيداً، وضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين ـ عليه السلام ـوأطفاله إذ بقى وحيداً.
(1) في نسخة ( ع ): رواه.
(2) في نسخة ( ع ): رواه.
(3) انظر: الفتوح لابن أعثم 5: 99، 113.
(4) في نسخة ( ع ): شره.
(5) انظر: الفتوح 5: 77.