في البدء فكرة
حرية المفكر مسألة
اساسية لا تتحمل المساس، فمن اجل ان يستطيع ان يقدم عطاءاته بصور مستمرة متجددة.
لابد من فسح المجال امامه ليتحرك على الخيارات التي يؤمن بها أو يرغب فيها. ولان
هذه المسألة من المسلمات المعروفة في الاوساط الثقافية، فقد اصبح الحديث عنها
ميسوراً لا يحتاج إلى ادلة وبراهين.
غير ان هناك ملاحظة
تثار في هذا الموضوع وتتصل بحرية المفكر انها قضية اختيار المعالجات التي يجب ان
يعتمدها المفكر الاسلامي، وهل تتمتع بمرونة غير مقيدة ام انها لابد ان تحاط بضوابط
معينة؟
هذه الملاحظة التي
عبرنا عنها بهيئة السؤال، نراها ضرورية في ضوء التجربة والواقع، فمن خلال مراجعة
سريعة لتراث الفكر الاسلامي نستطيع ان نكتشف ان اطلاق الحرية للمفكر الاسلامي
ساهمت بشكل فاعل في تقدم آفاق المعارف الإسلامية وفي افتتاح علوم جديدة ركزت
وجودها بثبات على الساحة الثقافية والعلمية اضافة إلى الابداع الهائل الذي ميزّ
حركة الثقافة الإسلامية على امتداد العصور.
إلاّ ان هذا التقدم
الذي تشهد به التجربة، ليس هو كل الصورة في تاريخ الثقافة الإسلامية فثمة صورة
اخرى غير مشرقة كانت تتجمع خطوطها بتأثير الاولى وكنتيجة لها، انها غياب المفكر
الاسلامي عن مجالات اساسية في حياة الاُمّة. فعندما تعرضت بلاد الإسلام إلى غزو
ثقافي ممنهج، لم تكن الدفاعات الإسلامية بالشكل المطلوب، بل ربما لم تكن موجودة
اساساً. ولم يكن السبب في نقص الكادر الفكري، أو في افتقار المفكر الاسلامي على
التمييز، أو في وجود أجواء سياسية ضاغطة تمنع وتخنق.
لم تكن هذه هي
الاسباب، انما الخلل كان في مسألة اختيار مجال الاهتمام وموضوع البحث الذي يستقطب
اهتمام المفكر ويحرك فيه عوامل الابداع، لينطلق منه في تقديم نتاجه إلى الاُمّة
فلقد كان رجال الفكر الاسلامي يستغرقون في اهتماماتهم الفكرية اكثر من الاهتمام
بقضايا الاُمّة المستجدة والمتطورة بشكل متسارع. وهذا ما فسح المجال أمام الاخرين
ليدخلوا ويستقروا ويؤثروا على مساحات واسعة ومهمة في حياة امتنا الإسلامية
ومسيرتها الفكرية والسياسية.
في ضوء هذا يمكن ان
نقرر، ان حرية المفكر مطلوبة كحالة سياسية واجتماعية وثقافية، بل هي واجبة واساسية
في حياته. لكن هذه الحرية لها ضابط آخر لابد ان تخضع له وتحترمه وتلتزم بمقرراته.
وهو مايتمثل بضرورة الاهتمام بشؤون الإسلام في واقعه المعاصر، وترتيب الاولويات في
ضوء دراسة واقعية لما تعيشه الاُمّة الإسلامية وماتعانيه وماتريده وتتطلع إليه.
ان الملاحظة التي
اردناها، هي اعتبار المسؤولية الضابط الاول الذي يجب ان يدخل في مسألة حرية
المفكر. وليس في ذلك تقييد لحركته إذا درسنا المسألة على اساس مصلحة الإسلام
والمجتمعات الإسلامية، انما هي محاولة توجيه وبرمجة لقدرات العقل المسلم، وتوظيف عطاءاته
بما يخدم قضايا الإسلام.
ولعل الشاهد الواضح
على هذا الكلام، التجربة الرائدة التي مارسها المرجع الشهيد السيد محمد باقر
الصدر، فرغم امتلاكه لمؤهلات فكرية استثنائية، وقدرته على الابداع في مجالات
ثقافية واسعة ورغم كونه كان يعيش في جو العلوم الدينية التي تستدعي اعتباراتها فرض
الوجود العلمي من خلال نتاج يتلائم مع اجوائها. رغم كل ذلك، فأنه لم يستغرق في
اهتماماته الخاصة أو في اهتمامات الوسط الذي يعيشه، انما جعل قضايا الاُمّة
والتحديات التي تواجهها في المرتبة الاولى من اهتماماته، فقدم عطاءاته الكبيرة من
خلال ذلك.
وهو في هذا الالتزام،
جعل حتى من نتاجاته الاخرى التي تعبر عن اهتماماته الثقافية الخاصة، مشاريع واسعة
تتميز بالمسؤولية والهدفية والوعي والشمول.
ان الفكر الاسلامي
يمتلك نقطة قوّة لا تُضاهى تتمثل في استناده على المصادر الربانية التي لا تنفد
مما يوفر له اجابات لكل الاشكالات والمطلوب منه ان يوظف هذه المصادر الغنية في
المجالات التي يريدها الواقع الاسلامي عندما يريد ان يختار موضوعاً للبحث
والمعالجة في قضايا الاُمّة وحركتها.
الفكر الجديد