مراجعة كتاب: مصادر الاستنباط بين الاصوليين والاخباريين
عبد
الجبار الرفاعي
المؤلف:
محمد عبد الحسن محسن الغراوي
بيروت،
دار الهادي ط1، 1412 ـ 1992
عدد
الصفحات: 319 من الحجم الكبير
كثيرة هي الرسائل
الجامعية في هذا العصر، بعد التوسع الكبير الذي شهده التعليم الجامعي، واهتمام
الكثير من الجامعات بفتح اقسام للدراسات العليا فيها، الا ان هذه ـ الرسائل ـ التي
تقدم في جامعات العالم الاسلامي، تحكمها ظروف ومشكلات، هي جزء من مشكلات التخلف
الكثيرة، التي يعاني منها انسان العالم الثالث ومؤسساته.
ولعل من ابرز هذه
المشكلات، سوء اختيار الموضوعات، فطالما لجأ الدارسون إلى انتخاب موضوعات، يُراعى
فيها سهولة المأخذ، وامكانية الانجاز السريع، من دون ملاحظة مدى ارتباط، مثل تلك
الموضوعات، بالاشكاليات المعرفية والثقافية التي تعاني منها الاُمّة أو التحديات
الراهنة المصيرية التي تواجهها مضافا إلى ذلك غالباً ما يلجأ الباحث إلى تحشيد كم
هائل من المعلومات التي توفرت عليها مراجع البحث، حتى يتضخم حجم الرسالة فيتجاوز
احياناً الخمسمائة صفحة، من دون ان يساهم باضافة ابداعية في ذلك العلم (موضوع
البحث) ومع فرض تجاوز بعض الاطروحات الجامعية للحقبتين السابقتين، (ولكن تواجه هذه
المرة مشكلة اخرى، وهي بقائها محفوظة في رفوف مكتبات الجامعات، خلافاً لما يجري في
الغرب حيث تتعاقد الشركات والمؤسسات مع الباحثين اثناء فترة اعدادهم للبحث، ومن ثم
تتولى تنفيذ ما بلغه الباحث من نتائج بعد اتمام البحث).
هذا هو حال البحث العلمي
الذي ينجزه طلاب الدراسات العليا في العالم الثالث، وان اقدمت بعض المؤسسات
الفكرية اخيراً على مشروع علمي، يخدم طلاب الدراسات العليا، بتبني نشر اطروحاتهم
بعد اتمامها، كما فعل ذلك مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، اذ اصدر سلسلة تحت
عنوان «سلسلة اطروحات الدكتوراه»، ونشر فيها حتى الآن مجموعة اعمال، لكن هذه
السلسلة تهتم بالاعمال التي تبشر بالفكر القومي، ومشروعات الوحدة العربية، وربما
تلك الدراسات ذات الاتجاه التغريبي.
من هنا باتت مسألة
تبني ونشر الاطروحات الجامعية التي ينجزها الطلاب الاسلاميون في جامعات العالم
الاسلامي وغيره تمثل ضرورة ملحة في هذه الايام، نأمل ان ينهض بهذه المهمة احد
الناشرين ليساهم في نشر جهود الباحثين الاسلاميين المتراكمة في الجامعات، ومما لا
شك فيه ان مثل هذا المشروع سيحقق خدمات مهمة، للفكر والثقافة الإسلامية، في ظرف
كثر فيه الاجترار والتكرار، فضلاً عن ما يمكن ان يحققه ذلك المشروع للناشر من
اهداف تسويقية.
***
اما هذه الاطروحة
التي قدمها الاخ الباحث محمد عبد الحسن الغراوي في كلية الفقه في النجف الاشرف عام
1989م، فهي واحدة من الاعمال العلمية التي توفق فيها الباحث لتجاوز جل الاشكالات
السابقة.
فالباحث توفق لانتقاء
موضوع يعتبر من اهم الموضوعات المعاصرة فيما اخال، فهو من ناحية يرتبط بأصول الفقه
التي هي القواعد الاساسية لعملية استنباط الاحكام الشرعية، فيما يرتبط من ناحية
اخرى بعلم اجتماع المعرفة، والاشكاليات المعرفية التي اشتدت اثارتها على الفكر الاسلامي
وتراث المسلمين في هذه الايام، من تلامذة المستشرقين والمتغربين في ديار الإسلام.
وربما لم يع بعض
الاسلاميين ممن حاولوا الاجابة على تلك الاشكاليات، ما ينبغي على الباحث ان يدلي
به في مواجهتها، فاكتفى بعضهم بالاسلوب الخطابي التعبوي، من دون مضمون معرفي يرتكز
عليه ذلك الخطاب.
ولذلك اضحى
الاسلاميون في هذا العصر ـ وبالذات من يعمل منهم في حقل الكتابة والتنظير والتثقيف
ـ بأمس الحاجة إلى استيعاب الموروث المعرفي الاسلامي وتمثله، (وتفعيل العناصر
الحية فيه)، مما يخدم حركة الفكر والثقافة الإسلامية، بالموائمة بينه وبين معطيات
هذا العصر.
بناء على ذلك تكون
دراسة واستيعاب الفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام، واصول الفقه، ادوات معرفية اساسية
لابد منها لمن يتولى المهام الآنفة الذكر.
وفي ضوء ذلك تتبين
الاهمية الكبيرة لهذا الجهد التأصيلي الذي قدم الاستاذ الغراوي، وما توفر عليه هذا
العمل من استيعاب الموروث المنهجي في تراث اصول الفقه ومحاولة اعادة انتاجه، على
اساس تقنيات البحث العلمي الحديث.
ملامح المنهج في الرسالة
المحنا قبل قليل إلى
ان هذه الاطروحة تمثل جهداً تأصيلياً انجزه الباحث، ولذا نحاول فيما يلي ان نشير
إلى معالم المنهج الذي التزم به في عمله هذا، والذي يمكن تلمسه فيما يأتي:
1 ـ اعتماد الاساس الموضوعي في البحث، حيث حاول ان يستوعب في
دراسته آراء الفريقين، ونظرياتهم، من دون التحيز إلى فريق محدد، أو تبني مواقف
مسبقة من احد الفريقين، مع العلم ان الباحث يتميز مذهبياً إلى احدهما، الا انّه
تمكن من تجاوز المؤثرات الايديولوجية ـ بالحدود الممكنة في البحث العلمي في
الدراسات الإنسانيّة ـ ولذا لم يغفل الرأي الآخر أو ينفيه، بل حاول جاهداً ان يبحث
عن جميع المبررات والادلة والافكار التي قالها الآخر بتجرد ملموس، من التأثرات
الاخرى.
2 ـ اعتماد المصادر القديمة التي تمثل آراء الفريقين، في المسائل
المتنازع عليها بينهما، والسعي للرجوع إلى مدونات كل فريق للتعرف على آرائه بصورة
مباشرة، من دون اعتماد المراجع الثانوية ـ الا في حدود قليلة ـ أو تلك التي شرحت
افكار الفريق الآخر، من غير المنتسبين له.
وهذه مسألة مهمة في
الاعمال العلمية، التي تهتم بالتعرف على المذاهب والاديان، اذ قد يلجا اصحابها
للتعرف على افكار ونظريات المذهب المبحوث من خلال كتابات الخصوم، أو ربما من خلال
كتابات الآخرين من خارج اطار ذلك المذهب، كما يفعل بعض الباحثين المعاصرين ممن
يثيرون الغبار في مواجهة التراث الاسلامي، بالرجوع إلى معطيات المستشرقين في ذلك.
أو قد يلجأ باحثون
آخرون للاعتماد على الاتجاهات الشاذة، والافكار التي صدرت من غلاة ذلك المذهب، كما
يفعل خصوم الشيعة بالرجوع إلى تراث الغلاة الذين رفضهم الشيعة، والتشنيع على
الشيعة والتشيع، بتصيد الافكار الشاذة لهؤلاء.
ولكن الباحث استطاع
تجاوز هذه الاشكالية في بحثه، حين اعتمد على التراث الاصولي الخاص بكل فريق عندما
عرض افكارهم، كما حاول ان يميز داخل المدرسة الواحدة بين الاتجاهات المتنوعة، بل
بين الافراد الذين تغايرت آرائهم.
لقد مكّن هذا الاسلوب
في التعامل مع المصادر. الباحث من الوفاء، بالالتزام الذي قطعه على نفسه،
بتبني الموضوعية في معالجة المسائل، وبحث الموضوعات.
3 ـ تحاشى الباحث الاسلوب الذي يعتمده بعض طلاب الدراسات العليا في
تكديس النصوص المنقولة من المراجع، واثقال الهوامش تبعاً لذلك بمعلومات مكررة عن
المراجع، أو بتراجم الاعلام المشهورين، وبيان كل شاردة وواردة، وربما اقترب بعضهم
من منهج المصنفين القدماء، حين يعتمدون اسلوب الكلام يجر الكلام، فتترهل الاطروحة،
ويتضخم حجمها بشكل مفرط، وقد تختفي احياناً عطاءات الباحث الخاصة ـ ان وجدت ـ في
ثنايا ذلك الترهل.
بينما كان اسلوب
الباحث متجانساً مكثفاً، تخلص من الزوائد والاضافات الجانبية، فاستطاع ان يركز
مادة علمية وافرة (ترتبط مباشرة بالمسائل المبحوثة) في مساحة معقولة من الصفحات.
وبعبارة اخرى: ان
المدونات الاصولية عرضت المباحث التي تناولها الاخ الغراوي تحت عناوين استهلكت
مساحات واسعة في تلك المدونات، وربما افردت كتب في بعض تلك المباحث، ولكن الباحث
استطاع من تلخيص تلك الابحاث المفصلة الواسعة، وتكثيفها في مساحات مناسبة، بعد
تجريدها من المسائل الثانوية العالقة بها.
محتويات ومنهج الرسالة
بدأ الباحث دراسته
بعد المقدمة بمدخل تمهيدي، اتبعه بخمسة فصول، تضمن المدخل المباحث التالية:
1 ـ مصادر الاستنباط من عصر النبي (ص) إلى عصر التابعين، وقد حاول
ان يلقي ضوءاً سريعاً على: عصر النبي (ص)، وعصر الصحابة، وعصر التابعين. وخلص إلى
القول:
بانه في زمن الرسول
(ص) كانت الاحداث تترى، ويلاحقها الوحي بتشريعات تحتكم في مسيرتها سواءاً كانت من
القرآن، ام من السنّة، ولم تكن الحاجة داعية إلى ابراز قواعد بصورة منهجية، أو حتى
إلى التحقق من الاخذ المنهجي في الاجتهاد، على الاقل في بيئة النبوة.
اما في عصر الصحابة،
فقد كان لزاماً عل صحابة رسول الله ان يجعلوا الشريعة تتحكم في سير الاحداث،
مستمدين لها الاحكام من الادلة التي حفلت بها النصوص الدينية الثابتة، واختلفت سبل
هذا الاستمداد واشكاله، ولكنه الاختلاف الذي لا يخرجها عن الترتيب السالف من حيث
اولية الكتاب وتالية السنة.
وقد كان هذا
الاستمداد مرتبطاً بقاعدة المماثلة والمشابهة فقد كان اصحاب رسول الله يجتهدون في
النوازل ويقيسون بعض الاحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره.
اما التابعون فيكاد
يكون عصرهم امتداداً لعصر الصحابة مع اختلاف يسير يكاد يتمثل في ذلك الإتساع الذي
لحق الدراسات الفقهية من خلال مدارس تكونت فكانت متوجهة لهذا النشاط، وان كانت هذه
المدارس قد مثلت فورة النشاط الفقهي آنذاك، بيد انها كانت امتداداً لعصر الصحابة.
وعلى الرغم من ان هذه
المدارس الفقهية قد تكونت في معظم الامصار الإسلامية، فان الاضواء في عصر التابعين
تركزت على مدرستين هما:
مدرسة الكوفة، ومدرسة
المدينة، لعوامل توافرت فيهما، ابرزت زعامتهما للمدارس الفقهية.
لكن مدرسة اخرى نهجت
منهجاً آخر، وهي مدرسة اهل البيت، التي لم يكن الفقه لديها قد خطا في مساره
الفكري، حتى زمن الغيبة الكبرى عام 329هـ، الا بضع خطوات، ولم يكن قد اكتسب طابعه
العلمي المحدد، ولهذا كانت الكتب الفقهية عبارة عن تجميع لمتون الروايات وتبويب
لهذه المتون.
وقد فرض هذا الواقع
المرحلي على الفقه الشيعي من الناحية الموضوعية الاقتصار ـ تقريبا ـ على القضايا
المثارة في اسئلة الرواة، واجوبة الائمة عليهم السلام، وفرض من الناحية المنهجية ـ
الاقتصار غالباً ـ على الاستدلال بالنص في استنباط الحكم الشرعي، وكان من الطبيعي
ان لا يجد علم الاصول مجالاً للنمو في هذا الاطار الضيق موضوعاً ومنهجاً.
2 ـ الاصوليون: وهم الذين يلجأون في مقام استنباط الاحكام إلى
الادلة الاربعة من الكتاب، والسنة، والاجماع، ودليل العقل.
واحتمل المؤلف ان
يكون الاصولي، هو المنسوب إلى الاصول، بمعنى المدارك التي يرجع اليها في استنباط
مسائل الفقه، وهي الادلة الاربعة، التي هي موضوع علم اصول الفقه ـ واطلاق الاصل
على المدرك ليس ببعيد.
3 ـ التعريف بالاخباريين: ذكر المؤلف ان اقدم نص عثر عليه يتحدث عن
الاخبارية باعتبارها فرقة قائمة ضمن الكيان الامامي، هو ما ذكره الشهرستاني في
«الملل والنحل1/165»، بأن: «الاخبارية فرقة من الامامية.. وهي سلفية.. كما عليه
سنن السلف».
ونقل راي المحقق
القمي المنقول عن استاذه الشيخ الانصاري، في وجه تسميتهم بالاخباريين، بانه احد
امرين:
أ ـ كونهم عالمين
بتمام الاقسام من الاخبار، من الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف، من غير ان يفرقوا
بينها في مقام العمل في قبال المجتهدين.
ب ـ انهم لما انكروا
ثلاثة من الادلة الاربعة، وخصوا الدليل بالواحد منها اعني الاخبار، فلذلك سموا
بالاسم المذكور.
بينما ذهب رائد
المدرسة الاخبارية المحدث الاسترابادي، إلى ان الاخباري هو من قنع بنقل متون
الاخبار، واقتصر في الحكم على موارد النصوص ومضامين الآثار، يفتي بمتون الاخبار من
غير تعرض لما لا نص فيه، ولعل ذلك لعدم كمال شروط الاجتهاد في نفسه، أو لكونه في
عصر الائمة عليهم السلام، وتمكنه من اخذ الاحكام بأسرها من النص والصراحة فلم يقنع بالاجتهاد، وهذا
لا يقتضي عدم جوازه عنده، كمن يعمل بالاحتياط مع تمكنه من الاجتهاد وهو حجة عنده،
لذا عرف الاخباري بأنه: «الفقيه المستنبط للاحكام الشرعية من الكتاب والسنة فقط»
كما في «الفوائد المدنية 47 ـ 48».
4 ـ مراحل المدرسة الاخبارية: حدد
المؤلف ثلاث مراحل لهذه المدرسة، وهي:
المرحلة الاولى:
اعتبر بداية هذه
المرحلة القرن الرابع الهجري، بناء على ما ذكره المحدث الاسترابادي في «الفوائد
المدنية 80» من ان «الصدوقين» و«الكليني» من «قدماء اصحابنا الاخباريين».
لكن الشيخ اسد الله
الكاظمي، نفى ان يكون الشيخ الكليني، بل «المحمدين الثلاثة اصحاب الكتب الاربعة في
الحديث» من الاخباريين بالمعنى الجديد «على الطريقة التي اصطلح عليها»
الاسترابادي، كما اورد ذلك الكاظمي في «كشف القناع 207».
المرحلة الثانية:
جعل المؤلف ظهور
المحدث الاسترابادي، بداية هذه المرحلة، تبعاً لما وصفته بعض المصادر، في انّه كان
«اخبارياً صلباً» وبانه «اول من فتح باب الطعن على المجتهدين».
وقد اسمى الشيخ محمد
رضا المظفر في «مقدمته لجامع السعادات1/9» هذه المرحلة بـ«الاخبارية الحديثة، التي
اول من دعا اليها أو غالى في الدعوى اليها المولى امين الدين الاسترابادي».
المرحلة الثالثة:
حددها بانها تبدأ
بزعامة المحدث الشيخ يوسف البحراني المتوفى عام 1186هـ، فهو الذي مثل دور الاعتدال
بسلوكه طريقاً وسطاً بين الخطين المتوازيين، الاصوليين والاخباريين، محاولاً تخفيف
غلواء سلفه في الرأي ـ المحدث الاسترابادي ـ واتباعه.
5 ـ ملامح
الافتراق بين الاصوليين والاخباريين:
اجمل المؤلف الاختلافات بين الفريقين، مما يرتبط بمصادر الاستنباط، بالنقاط
التالية:
اولاً: ذهب
الاخباريون إلى ان العمل بالقواعد الاصولية يؤدي إلى ترك العمل بالنصوص الشرعية.
ثانياً: ان اصحاب
الائمة عليهم السلام والى زمان الكليني والصدوق، انما كان عملهم بالاخبار الواردة
عن العترة الطاهرة.
وقد ذهب المحدث
الاسترابادي في «الفوائد المدنية 40» إلى ان قدماء الاصحاب (ممن ادرك صحبة بعض
الائمة عليهم السلام لقرب عهده بهم، لا مدرك للاحكام الشرعية النظرية فرعية كانت
أو اصلية، الا احاديث العترة الطاهرة، وتلك الروايات الشريفة متضمنة لقواعد قطعية
تسد مسد الخيالات العقلية المذكورة في الكتب الاصولية).
وبذلك يتضح ان السر
في مقاومة الاخباريين لعلم الاصول، هو انه بزعمهم يؤدي إلى نبذ الادلة الشرعية
وأخذ الاحكام من غيرها.
ثالثاً: ان الدور
الذي لعبه العقل في علم الاصول، كان مثيراً آخر للاخباريين على هذا العلم، نتيجة
لاختلافهم مع الاصوليين في بعض جوانبه المتعلقة في مجال الاستنباط.
رابعاً: استغل المحدث
الاسترابادي حداثة علم الاصول للهجوم عليه واثارة الراي العام الشيعي ضده، لان علم
الاصول عند الامامية نشأ بعد غيبة الامام الثاني عشر.
لكن عدم احساس الرواة
والفقهاء الذين عاشوا عصر النص إلى تأسيس علم الاصول، لا يعني عدم احتياج الفكر
الفقهي إلى علم الاصول، خاصة في العصور المتأخرة، التي اصبح فيها الفقيه بعيدا عن
جو النص، مما خلق فجوات في عملية الاستنباط فرضت على الفقيه وضع القواعد الاصولية
لمعالجة تلك الفجوات.
الفصل الاول:
حجية ظواهر الكتاب
بين الاصوليين والاخباريين
تحت هذا العنوان
تناول الباحث ثلاثة مباحث، وهي:
1 ـ موقف الاخباريين من حجية ظواهر الكتاب:
في هذه المسألة انقسم
الاخباريون إلى فريقين، فريق يجيز العمل بالظاهر، وفريق لا يجيز العمل بالظاهر.
2 ـ ادلة الاخباريين على عدم حجية ظواهر الكتاب: حصر ادلة
الاخباريين على ذلك بما يلي:
اولاً: ذهب
الاخباريون إلى ان فهم القرآن العزيز ومعرفته مختص بأهله، وان اهل البيت عليهم
السلام هم العارفون والعالمون بالقرآن دون غيرهم.
ثانياً: استدل
الاخباريون بدعوى شمول الاخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي لحمل الكلام الذي
له ظهور في معنى على ارادة هذا المعنى.
ثالثاً: كما استدل
الاخباريون على المنع عن حجية ظواهر الكتاب بدعوى العلم الاجمالي، بطرق التخصيص
والتقييد والتجوز في غير واحد من ظواهر القرآن، وهو يوجب اجمالها لا محالة، وعليه
فالظاهر وان لم يكن من المتشابه ذاتاً، لكنه صار منه عرضاً، فحينئذ لا يمكن القول
بحجية ظواهره.
رابعاً: استدلوا
بالآيات الناهية عن العمل بالظن، بتقريب ان التمسك بالظاهر عمل بالظن، والشارع منع
عن العمل بالظن.
3 ـ مناقشة ادلة الاخباريين:
نقل الباحث آراء
اعلام المدرس الاصولية في مناقشة الادلة السابقة التي ذكرها الاخباريون على المنع
عن العمل بحجية ظواهر الكتاب، فذكر في مناقشة الدليل الاول:
ان المنع من العمل
بالظاهر غير المفسر بالروايات الصادرة من الائمة عليهم السلام، دون النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، مخالف لآيات كثيرة اشتملت على انّه عربي مبين، وانّه هدى وتبيان
ويهدي إلى الحق، والى صراط مستقيم، ويبشر به المؤمنين، وينذر الكافرين، وتقشعر منه
الجلود، وعلى الذم على عدم تدبرهم اياه، وانّه انزل للتذكير.
كما ان القول بذلك
ينفي معرفة اعجاز القرآن وبلاغته وفصاحته، لان معظم مدارها على المعاني ولو توقفت
على تفسير الائمة ضاعت فائدة الاعجاز.
وتتلخص مناقشة الدليل
الثاني: في ان الروايات التي استدل بها الاخباريون معارضة بطائفة اخرى من
الروايات، مفادها جواز العمل بالكتاب، والامر بالرجوع إليه وعرض الاخبار عليه.
كما ان الروايات التي
ساقها الاخباريون، ظاهرة في النهي والردع لمن استقل برأيه، واكتفى باستحساناته في
تفسير جميع القرآن حتى غير الظاهر منه، وبدون مراجعة اهل الذكر.
وأجاب الاصوليون على
الدليل الثالث: بأن العلم الاجمالي وان كان ثابتاً الا انّه قد انحل بعد الفحص عن
المقيد، والمخصص، وقرينة المجاز، فلا يبقى لنا علم بعده، كما ينحل بذلك العلم
الاجمالي بوجود المخصص والمقيد بالاضافة إلى ظواهر السنّة.
فيما اجاب الاصوليون
عن الدليل الرابع: بأن مضمون الآيات الناهية عن العمل بالظن، هو المنع عن التعبد
بالظن والتدين به، وجعله هو المدرك لكل احكام الكتاب، وهذا غير مطلوبهم، فالدليل
لا ينطبق على الدعوى.
كما ان مصب تلك
النواهي، هو اصول الدين والعقائد لا فروعه، لان معرفة اصول الدين لا يكفي فيها
الظن.
كذلك فان الظن المنهي
عن اتباعه، انما هو (الظن الذي لا دليل على جواز اتباعه، فان الظن الذى قام دليل
قاطع على وجوب اتباعه، اتباع لذلك الدليل القاطع دون الظن). مضافاً إلى ذلك، فقد
ذكر الاصوليون عدة ادلة على حجية ظواهر الكتاب.
الفصل الثاني
الاخبار بين
الاصوليين والاخباريين
بحث المؤلف في هذا
الفصل مسألة الخلاف بين الاصوليين والاخباريين في مرويات الكتب الحديثية، وبالاخص
الكتب الاربعة، حيث افاد بان الاخباريين ذهبوا إلى قطعية صدور ما جاء فيها، خلافاً
للاصوليين الذين نفوا ذلك، كما صرح بذلك الشيخ جعفر في كتابه «كشف الغطاء» من ان:
(المحمدون الثلاثة كيف يعول عليهم في تحصيل العلم، وبعضهم يكذب رواية بعض بتكذيب
بعض الرواة، فما استندوا إليه مما ذكروا في اوائل الكتب الاربعة من انهم لا يرون
الا ما هو حجة بينهم وبين الله، أو ما يكون من القسم المعلوم دون المظنون، فبناء
على ظاهرة لا يقتضي حصول العلم بالنسبة الينا لان علمهم لا يؤثر في علمنا).
كما تعرض الباحث
لتقسيم الاخبار بين الاصوليين والاخباريين، واوضح بان الاصوليين قسموا الاخبار
إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف.
بينما عارض الاخباريون هذا التقسيم، واعتبروه من البدع التي لا يحل العمل بها.
الفصل الثالث:
الاجماع بين
الاصوليين والاخباريين
اوضح الباحث هنا
التعريف اللغوي والاصطلاحي للاجماع، ثم تعرض للخلاف في حجية الاجماع، وامكان
الاجماع وهل يمكن العلم به والاطلاع عليه، وادلة المثبتين والنافين لحجية الاجماع،
وهل ان الاجماع اصل أو دليل مستقل، واخيراً مستند حجية الاجماع لدى الامامية.
وخلص إلى القول: بأن
الاجماع اعتبره الاصوليون بشرائط خاصة ونطاق محدود بعد الكتاب والسنة، وقد التزم
بعض الاخباريين بحجيته في موارد خاصة، ودائرة الحجية عندهم اضيق منها لدى
الاصوليين، وناقش بعضهم في حجيته.
الفصل الرابع:
دليل العقل بين
الاصوليين والاخباريين
بخصوص دليل العقل
لاحظ الباحث، بان الاخباريين وسعوا في الادلة المعتمدة على النصوص، وضيقوا حكم
العقل، لان الادلة الشرعية اكثر منه كشفاً عن حكم الشرع.
اما الاصوليون فقد
ضيقوا الادلة المعتمدة على النصوص مباشرة ليوسعوا حكم العقل.
وفي مجال الاتفاق
فانهم اتفقوا على منع ان يكون للعقل على نحو الاستقلال رتبة في تحريم شيء أو
تحليله، بناء على ما يدركه فيه من حسن أو قبح.
الفصل الخامس:
الاصول العملية بين
الاصوليين والاخباريين
انتهى الباحث إلى ان
الاخباريين، انكروا جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، وخصوه بالشبهة الموضوعية.
اما ما يصلح ان يشكل
نزاعاً بين الاصوليين والاخباريين فانما هو بين القائلين بحجيته مطلقاً وهم بعض
الاصوليين، وقد اعتمدوا في ادلتهم على السنة، والاجماع، والعقل، والسيرة
العقلائية، والظن.
واكد الباحث ان كلاً
من الاخبار، والسيرة العقلائية دليل على حجية الاستصحاب مطلقاً، وانها محكمة ولا
رافع لها رفعاً كلياً عن تمام المصاديق، وهذا يقتضي حجية الاستصحاب في الموضوع
والحكم والمنفي والمثبت.
كما خلص إلى القول
بأن النزاع الدائر بين الاصوليين والاخباريين في البراءة، هو ان الفريقين قد
اتفقوا على جريان البراءة في الشبهات الوجوبية الموضوعية والحكمية، اما الشبهات
التحريمية فالموضوعية منها اتفقوا ايضاً على جريان البراءة فيها، وقد وقع الخلاف
في الشبهة التحريمية الحكمية، فالاصوليون قائلون بالبراءة، والاخباريون اوجبوا
الاحتياط، كل هذا في مقام فقد النص أو اجماله، اما عند تعارض النصين فالتخيير عند
الطرفين.
وقفة مع الباحث
الجهد الذي قدمه
الباحث، لا يمكن الوفاء بصورته في هذه القراءة السريعة، لانه ـ وكما المحنا سابقاً
ـ جهد علمي تركز على مراجعة مدونات اصول الفقه، التي كتب الكثير منها باسلوب دقيق
ومعمق، وربما مبهم ومعقد، الا ان هنالك بعض الملاحظات، التي سجلناها على عجل على هذا
العمل العلمي، وهي:
1 ـ تعرض الباحث إلى مسألة اجتهاد الرسول (ص) في صفحة 29 من
الكتاب، وهي مسألة مهمة (لكنه لم يجل الموقف فيها)، مع انها موضع خلاف بين
المحققين، كما انها ذات صلة مباشرة في التمهيد للمباحث الآتية في الرسالة، بل هي
من اسسها المهمة. وكذا لم يحسم الموقف بشكل واضح ومفصل في مسألة مصادر الاستنباط
والاجتهاد عند الصحابة.
2 ـ في ص43 من الكتاب، ذكر المؤلف ان الشيخ المفيد اول من باشر
التصنيف الاصولي على الصعيد الشيعي، مستخلصاً ذلك من نص نقله من (عدة الاصول)
للشيخ الطوسي، كم اكد المؤلف في ص69 ـ 70 من الكتاب: ان سبق البحوث الاصولية عند
السنة يرجع إلى انهم يؤمنون بأن عصر النص قد انتهى بوفاة النبي (ص)، لذلك وجدوا
انفسهم في اواخر القرن الثاني عشر بعيدين عن عصر النص، مما جعلهم يفكرون في وضع
علم الاصول، بينما كان الشيعة يعيشون عصر النص، الذي يمتد إلى غيبة امامهم الثاني
عشر سنة 329هـ.
ان المؤلف ينتهي إلى
القول بـتأخر تدوين علم الاصول عند الشيعة، ونحن وان كنا نتبنى ما ذهب إليه الا انّه ينبغي ان يشير الباحث إلى ما
افاده السيد حسن الصدر، من ان الامامين الصادقين (ع)، هما مؤسسا علم الاصول، ثم صنفت
اماليهما فيما بعد(1)، كما ذهب إلى ترجيح هذا الرأي الدكتور ابو القاسم گرجي(2)،
كذلك اشار الامام الشهيد محمد باقر الصدر، إلى ان بعض اصحاب الائمة الفوا رسائل في
بعض المسائل الاصولية، كهشام بن الحكم من أصحاب الامام الصادق، الذي الف رسالة في
الالفاظ(3).
ومن الجدير بالذكر ان
اصحاب الفهرستات القديمة كإبن النديم(4)، والنجاشي(5)، والشيخ الطوسي(6)، اكتفوا
بالتعبير عن رسالة هشام بن الحكم هذه عند تعداد مؤلفاته بقولهم: «كتاب الالفاظ»،
ولم يحددوا موضوع هذا الكتاب، وربما كان هذا الكتاب في بيان المصطلحات المتداولة
بين المتكلمين آنذاك، لا سيما وان هشام اشتهر كأبرز متكلمي ذلك العصر، وكان علم
الكلام هو الموضوع الاساسي لمصنفاته.
3 ـ لم يلمح الباحث إلى ما ذهب إليه بعض ناقدي المدرسة الاخبارية،
من ان هذه المدرسة يستبطن استدلالها على ابطال المدرسة الاصولية لوناً من التناقض
المنطقي، وذلك لانها بينما تشجب العقل، وترفض الدليل العقلي، تتمسك بما نفته
ورفضته، حال استدلالها ومحاججتها مع الخصم، وبتبعير آخر: ان عملية الاستدلال لابد
ان تنتهي إلى احكام العقل، ولا يمكن ان يستغني اي استدلال برهاني عن العقل.
كما انّه لا يمكن
الاستغناء عن العقل في البرهنة على التوحيد، والتصديق بما بعث به الانبياء والرسل
عليهم السلام، لان التصديق بذلك لا يثبت بالبيان الشرعي، للزوم الدور. وتعد هذه
الاشكالية من اهم الاشكاليات التي لم يتغلب عليها التفكير الاخباري، وان حاول بعض
اعلام المدرسة الاخبارية بحث هذه المسألة ولكنهم في سعيهم لنفي هذه الاشكالية،
يلجئون إلى الاستدلال على بطلانها، وحينئذ سيقعون في ما حاولوا الفرار منه(7).
_________________________________
1- الصدر، السيد حسن، تأسيس الشيعة لعلوم
الإسلام، طهران، الاعلمي، ص 311.
2- كرجي، د. ابو القاسم،
نظرة في تطور علم الاصول، طهران، المكتبة الإسلامية الكبرى، ص 27 ـ 28.
3- الصدر، السيد الشهيد
محمد باقر، المعالم الجديدة للاصول، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ص 47.
4- ابن النديم، كتاب
الفرست، تحقيق، رضا تجدد، طهران، 1973م، ص 244.
5- النجاشي، أحمد بن علي،
رجال النجاشي، تحقيق السيد موسى الشبيري الزنجاني، قم، مؤسسة النشر الاسلامي، 1407
هـ، ص 433.
6- الطوسي، محمد بن الحسن،
الفهرست، تصحيح: محمد صادق آل بحر العلوم، قم، منشورات الشريف الرضي، ص 175.
7- نقل الشيخ يوسف البحراني
كلاماً في «الدرر النجفية ص 146 ـ 147»، عن السيد نعمة الله الجزائري من كتاب
انواب النعمانية، ينعت فيه اكثر اعلام الامامية بأنهم عولوا على العقل وتركوا
النقل، حيث يقول: «ان اكثر اصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي
والقياس، من أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم، من الذين اعتمدوا على العقول
واستدلالاتها، وطرحوا ما جاء به الانبياء عليهم السلام، حيث لم يأت على وفق
عقولهم.. فيكون المدار والاصل، انما هو العقل، وهذا منظور فيه، لأنا نسألهم عن
معنى الدليل العقلي، الذي جعلوه اصلاً في الأصول والفروع، فيقول ان اردتم ما كان
مقبولاً عند العقول، فلا يثبت ولا يبقى لكم دليل عقلي، وذلك كما تحققت، ان العقول
مختلفة في مراتب الادراك، وليس لها حد تقف عنده، فمن ثم ترى كلاً من اللاحقين
يتكلم على دلائل السابقين، وينقضها ويأتي بدلائل اخرى، على ما ذهب إليه، ولذلك لا
ترى دليلاً واحداً مقبولاً عند عامة العقلاء والافاضل، وان كان المطلوب متحداً،
فان جماعة من المحققين اعترفوا بأنه لم يتم دليل من الدلائل على اثبات الواجب،
وذلك ان الدلائل التي ذكروها مبنية على ابطال التسلسل، ولم يتم برهان على بطلانه،
فاذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل، الذي توجهت إلى الاستدلال عليه كافة
الخلايق، فكيف يتم على غيره.. وان كان المراد به ما كان مقبولاً بزعم المستدل به
واعتقاده، فلا يجوز لنا تكفير الحكماء والزنادقة ولا..».
عن: البحراني، الشيخ يوسف،
الدرر النجفية، طبعة على الحجر، ص 146.
4 ـ المح الامام
الشهيد محمد باقر الصدر، إلى ان الحركة الاخبارية، كانت قد «سبقت بما تمثل من
اتجاه حسي التيار الفلسفي الحسي، الذي نشأ في الفلسفة الاوروبية، على يد «جون لوك»
المتوفى سنة 1704م، و«دافيدهيوم» المتوفى سنة 1776م، فقد كانت وفاة الاسترابادي
قبل وفاة «جون لوك» بمئة سنة تقريباً، ونستطيع ان نعتبره معاصراً لـ«فرنسيس بيكون»
المتوفى سنة 1626م، الذي مهد للتيار الحسي في الفلسفة الاوروبية»، ثم يضيف الشهيد
الصدر «وعلى اية حال فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الاخبارية،
والمذاهب الحسية والتجريبية في الفلسفة الاوروبية، فقد شنت جميعاً حملة كبيرة ضد
العقل، والغت قيمة احكامه إذا لم يستمدها من العسر. وقد ادت حركة المحدث
الاسترابادي ضد المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس، إلى نفس النتائج التي سجلتها
الفلسفات الحسية في تاريخ الفكر الاوروبي.. ولكن ذلك لم يؤد بالتفكير الاخباري إلى
الالحاد كما ادى بالفلسفة الحسية الاوروبية»(1).
وكان الشهيد الشيخ
مرتضى المطهري، قد نقل عن استاذه السيد البروجردي رأياً يصرح بتقارن نشوء الحركة
الاخبارية مع ظهور الفلسفة الحسية في الغرب، حيث يقول المرحوم المطهري:
«اتذكر انني في سنة 1322ش، سافرت إلى بروجرد، حيث كان المرحوم آية
الله البروجردي ما يزال هناك، اي قبل نزوحه إلى قم، وفي يوم من الايام تناول
الحديث فكر الاخباريين هذا، فقال المرحوم في مضمار انتقاده له:
ان ظهور هذه الفكرة
عند الاخباريين، كان على اثر ظهور الفلسفة الحسية في اوروبا. هذا ما سمعته يومئذ
منه..»، ثم يعقب الشهيد المطهري على ذلك بقوله:
«.. فانأ لا أدري ان كان قوله ذاك مجرد حدس وتخمين، ام انّه كان
عنده ما يستند إليه، أنا شخصياً لم اعثر على دليل يؤيد انتقال هذه الفكرة من الغرب
إلى الشرق، وهو عندي مستبعد ولكني، من جهة اخرى، اعتقد ان المرحوم آية الله
البروجردي لم يكن ليدلي برأي
_________________________________
1- الصدر، السيد الشهيد محمد باقر، المعالم
الجديدة للأصول، ص 44.
بدون دليل، واني
لألوم نفسي على عدم الاستفسار منه»(1).
كنا نتمنى ان يجلّي
الاخ الباحث الحقيقة في هذه المسألة المثيرة، التي اثارها علمان من ابرز اعلام
الفكر الاصولي في حوزتي قم والنجف، حول التقارن بين نشأة الفلسفة الحسية في الغرب،
والتفكير الاخباري في الشرق.
وهذه المسألة فيما
اخال، من القضايا المهمة التي تحتاج إلى بحث دقيق، وتتبع واسع في تاريخ الفلسفة
الحسية وتأثيراتها خارج حدود اوروبا، فترة ظهورها. وبعبارة اخرى دراسة المؤثرات
الاوروبية الخارجية في نشوء الحركة الاخبارية.
وان كنا نستبعد وجود
مثل هذه المؤثرات، لان الاخبارية تعبير عن منحى قديم في تاريخ التفكير الاسلامي،
يعود إلى العصر الاسلامي الاول، وهي مولود اسلامي ترعرع في البيئة الإسلامية.
ولكن القول الفصل،
يستدعي بحثاً موثقاً في تاريخ الفكر الاخباري، بل الفكر الشيعي بنحو عام، كي يقوم
القول في هذه المسألة على اساس علمي.
قد يقال ان مثل هذا
البحث خارج عن موضوع الرسالة، لكننا نظن ان تبني رأيا آخر في هذه المسألة، سيؤثر
بدون ادنى شك على نوع النتائج، التي سينتهي اليها البحث المقارن، في «مصادر
الاستنباط بين الاصوليين والاخباريين».
5 ـ ينبغي ان يقدم الباحث فصلاً في رسالته، يدرس فيه الظروف
والاسباب المحلية التي ولدت في ظلها الحركة الاخبارية، والملامح الثقافية
والاجتماعية والسياسية للعصر والبيئة التي عاش فيها الشيخ محمد امين الاسترابادي
(مؤسس الاخبارية الحديثة)، وتأثيرها في تفكير الاسترابادي وتكوينه العلمي
والثقافي.
6 ـ لم يتحدث لنا الباحث عن التأثيرات المعرفية والثقافية
للاخبارية الحديثة، ودورها في تكوين العقل الشيعي منذ القرن العاشر الهجري، اذ من
المعروف تاريخياً ان التفكير الاخباري نجمت عنه مواقف متشددة، تجاه العلوم العقلية
في الإسلام (المنطق، الفلسفة، علم الكلام)، كذلك تشدد بعض المحدثين الاخباريين
تجاه المنحى الروحي في التاريخ الاسلامي، كما نلاحظ ذلك في كتاب الحر العاملي
«الاثنا عشرية في الرد على الصوفية».
هذا من ناحية، ومن
ناحية اخرى ساهم ظهور الحركة الاخبارية مساهمة فعالة في اعادة تدوين الحديث في
المجاميع الحديثية المتأخرة، كما نلاحظ ذلك في (وسائل الشيعة للحر العاملي، وبحار
الانوار للشيخ المجلسي، والوافي للفيض الكاشاني).
كذلك تأثر ايجابياً
تطور الفكر الاصولي بظهور الاخبارية الحديثة، اذ كان للشبهات التي اثارتها هذه
الحركة، دوراً كبيراً في توصل العقل الاصولي لنتائج مهمة، وصياغة نظريات دقيقة في
بعض المباحث التي اضحت محلاً للنزاع.
_________________________________
1- مطهري، الشيخ الشهيد مرتضى، الاجتهاد في
الإسلام، ترجمة: جعفر صادق الخليلي، طهران، مؤسسة البعثة، ص 15.
7 ـ لم يرينا الباحث
ما انتهت إليه المدرستان في مشوارهما الاخير، اي ما هي النتيجة التي انتهى اليها
التفكير الاخباري في مرحلته الاخيرة، وكذلك التفكير الاصولي.
8 ـ لم يبرز بشكل واضح في مباحث الكتاب موقف الاخ الباحث وما انتهى
إليه في كل مسألة، بعد هذا الجهد الواسع في متابعة تراث المدرستين ومصادرهما في
الاستنباط.
9 ـ اضطر الباحث لاهمال اهم مصدر حديث، يؤرخ للحركة الاخبارية،
ويحلل اسباب نشأتها، ويسلط الضوء على جهازها المعرفي، وهو كتاب «المعالم الجديدة
للاصول، للامام الشهيد محمد باقر الصدر»، بسبب الظروف القمعية القاهرة التي قدمت
فيها الرسالة في كلية الفقه في النجف الاشرف، والحصار الذي فرضه نظام الحكم في
العراق على فكر الشهيد الصدر.
لم يستفد الباحث بشكل
مناسب من عمل علمي آخر بحث نفس الموضوع، وان ركّز على بعده التاريخي، وهو كتاب
«الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية» لعلي حسين الجابري، وهو رسالة ماجستير
قدمت في كلية الآداب، جامعة بغداد، عام 1975م، ونشرتها «منشورات عويدات في بيروت،
عام 1977م» كما اعيد طبعها في (قم، عام 1409هـ، تصويراً على الطبعة السابقة).
بقي ان نشير إلى ان
الملاحظات السابقة لا تقلل من قيمة هذا العمل العلمي الذي نود ان يهتم بالاطلاع
عليه المهتمون بالشأن الثقافي في الحركة الإسلامية المعاصرة، ويساهموا في اثراء
حركة الفكر الاسلامي بانجاز اعمال علمية مماثلة.