مراجعة كتاب: الزمن في حركة العاملين
دراسة
في الدلالات الحركية للزمن
حيدر
سعيد
المؤلف:
حسين الشامي
اصدار:
دار الإسلام للدراسات والنشر
يقع
في 195 صفحة من الحجم الكبير
كيف نقرأ الدلالة
الحركية للزمن بغية التعامل الصحيح معه في عملية توظيفية في المشروع الحضاري الاسلامي
الذي نحمل رسالته للنهوض بالامة التي منحها الله سبحانه وتعالى مسؤولية الشهادة
على الامم؟
ربما يمكن هذا السؤال
وراء البحث الذي كتبه سماحة السيد حسين الشامي الذي طالعتنا به (الفكر الجديد)
فصولاً منشورة في اعداد سابقة، صدر مؤخراً في صورة كتاب عن دار الإسلام للدراسات
والنشر يحمل عنوان (الزمن في حركة العاملين.. دراسة في الدلالات الحركية للزمن).
وتسعى محاولة الاستاذ
الشامي للاسهام في اثارة جدية للموضوع، تدفع إلى مبادرات اخرى في معالجة مسألة
الزمن وفق رؤى عصرية واعية. فالزمن من الموضوعات التي لم تنل اهتمام الباحثين
والمفكرين الاسلاميين، على الرغم من اهميتها الفائقة التي جعلت المفكر الجزائري
المسلم مالك بن نبي يعتبرها في شروط نهضته واحداً من ثلاثة عوامل لصنع الحضارة، هي
بالاضافة إلى عنصر الزمن، عنصرا التراب والإنسان.
فصول الكتاب
بعد الاهداء
والمقدمة يتحرك المؤلف على ستة فصول يبحث خلالها قيمة الزمن ودلالالته
الحركية. الفصل الاول: قيمة الزمن في القرآن الكريم. الفصل الثاني: قيمة الزمن في
تجارب الانبياء. الفصل الثالث: قيمة الزمن في التجربة النبوية. الفصل الرابع: قيمة
الزمن في حياة القادة من اهل البيت(ع). الفصل الخامس: قيمة الزمن في حياة الاُمّة
الإسلامية. الفصل السادس: قيمة الزمن في حياة الخالدين.
بعد ذلك يسجل الكاتب
استنتاجاته تحت عنوان (نتائج البحث) ليعتصر خلالها خلاصة ما جهد إلى فهم من قيمة
الزمن ودلالته الحركية في حياة الإنسان.
ملاحظة للكاتب
لم يغفل المؤلف قيمة
الزمن حتى في الاهداء الذي صدّر الكتاب به، فهو يهدي جهوده إلى امام العصر (عجل
اله فرجه الشريف) الذي يمثل عناصر متعددة للزمن ويجسّدها في غيبة تحجبه عبر ركام
من زمن العذاب (الماضي)، المتّصل بطريق الانتظار الطويل (الحاضر)، بانتظار اللحظة الحاسمة
(المستقبل الموعود). انّه يهدي جهوده «الى المصلح الذي حوّل الزمن من فترات ميتة
مهملة إلى وحدات حية فاعلة، دفاقة بالوعي والتحدي من اجل مستقبل الإنسان». ص5.
من وحي التجربة
يؤكد الاستاذ الشامي
في المقدمة ان فصول بحثه لم تكن لتصدر من وحي التفكير النظري فحسب، بل ومن وحي
التجربة الميدانية المتوفرة على متابعة الاحداث في حركة العاملين في الماضي
والحاضر ضمن نظرة موضوعية ناقدة تعطي للتجارب الدور الاول والاساس في الصياغة.
ان البحث هو وليد
مخاض طويل من التجربة والمعاناة كمحاولة جديدة وجادة لدراسة الابعاد الحركية للزمن
وقيمته، باعتبارها تشكل حاجة ميدانية ملحة في حياة العاملين، وتتطلب درجة عالية من
الفهم الواعي والدقيق لاكتشاف الاثر الحضاري لمسألة الزمن في حياة الامم والشعوب
وفي تجارب الدعاة إلى الله في مختلف خطوط الصراع والمواجهة.
انها تجارب عملية
كانت تحكم الباحث اثناء دراسته للزمن ولما يمتلك من دور اساسي في انجاح العمل أو
احباطه.
يقول المؤلف: «لقد
عشت وعاش غيري من العاملين تجارب على قدر كبير من الاهمية، كان الوقت فيها يمتلك
دوراً اساسياً في انجاح العمل أو احباطه. ففي العمل السياسي كثيراً ما تولد
المفاجآت ونادراً ما تكون طيبة لان الطرف الآخر يحرك باستمرار الاساليب المضادة،
فكان يحدث احياناً ان يتلكا مشروع كبير أو يواجه الفشل لان الطرف الآخر يتعامل مع
الوقت بصورة افضل فتحدث مفاجأة غير سارة. وكان يحدث ايضاً ان يتجمد مشروع مهم أو
يتعطل لاننا لم نستثمر الوقت بصورة اكثر جدية. وحدث في احيان اخرى اننا كنا نستعجل
الزمن فنخسر فرصاً ثمينة أو تقلّ نسبة المكاسب المتحققة، وحين اذكر هذه العناوين
المقتضبة تمرّ في الذاكرة حالات كثيرة تحكي عن نماذجها التي حدثت على الواقع في
ظروف صعبة وقاسية ومؤلمة». ص10.
ان الموضوعية تتحرك
هنا لتسجّل نقاط الضعف في التجارب فتستشرف من اهمية الزمن في حياة العاملين. ونأمل
من المؤلف ان يوثّق هذه التجارب تاريخاً منطوياً على قسط وافر من التحليل لعناصر
الفشل التي يقف في مقدمتها عنصر الزمن. ان كتابة التاريخ ينبغي ان تنطوي على قدر
كبير من الموضوعية في وضع النقاط على الحروف خدمة للنهضة الإسلامية الصاعدة
واثراءً للعاملين بالتجارب التي تجعلهم يتلمّسون طريقهم بوعي وبصيرة.
الزمن.. هاجس يومي
تكتنز في المقدمة
اشارات، وان كانت سريعة، الا انها هامة، ومن ذلك «ان الاحداث المتسارعة تتداخل
حلقاتها بحيث تتحول الاستفادة من عامل الزمن إلى هاجس يومي في حياة القادة ورجال
السياسة، على اعتبار ان اقتناص واستباق الاحداث، واستثمار المواقف هي من الامور
التي يدخل الزمن في تركيبها كجزء اساس». ص7.
فعنصر الزمن هو الذي
يسبغ صفة الخطأ أو الصواب على القرار والموقف، اذ لا يكفي الوعي بالمحيط الاجتماعي
أو المتغيرات السياسية في صناعة القرار الصائب ما لم يتوفر التعامل الموضوعي
والدقيق مع الزمن.
ان التعامل مع الزمن
كهاجس يومي هو الذي يجعل المبادرة مستوعبة لكافة عناصرها الذاتية والموضوعية، وهذه
الحقيقة الحياتية حالة انسانية عامة تتصل بالجانب اليومي من حياة الناس مثلما تتصل
بالجوانب الكبيرة والمعقدة للمجتمع والدولة. «ان المسألة ـ كما يقول المؤلف ـ لا
تختص بجهة دون اخرى، ولا تتعلق بدائرة انسانية دون سواها، كما انها لا تتحدّد في
ضوء الاطار العقائدي والهوية العراقية، بل تشمل الإنسان في جميع مواقعه واتجاهاته
السياسية والفكرية، وبكافة هيئاته واطره التي يتحرك فيها. فالزمن هو العمر الذي
يعيشه الإنسان..». ص8.
القرآن الكريم.. اهمية الزمن
يتناول الكاتب في
الفصل الاول من كتابه الاهمية البالغة التي اعطاها القرآن الكريم للزمن، بحيث
ترتبط معظم العبادات في التشريع الاسلامي بمواعيد زمنية محددة فلا يتحقق اداؤها
الا بالالتزام باوقاتها، بالاضافة إلى ان العديد من الاحكام الشرعية ترتبط بمدة
زمنية تتقيد بالحساب الزمني كشرط في صحة الانجاز. «ان الإسلام جعل الوقت في بعض
الاحكام بمثابة الاطار الذي يحتوي العبادة، وجعله في البعض الآخر يمثل العبادة دون
ان يتداخل معه التزام آخر». ص17.
كما ان القرآن الكريم
يورد تأكيدات متعددة على اهمية الوقت بحيث يأخذ الزمن بذلك دلالات معبرة عن
القداسة أو النعمة أو التجربة وما إلى ذلك، الامر الذي يعطي قيمة حركية حية تتفاعل
مع الإنسان وتحفّزه للحركة.
ولعل ابرز الامثلة
القرآنية تلك الآيات الكريمة التي يقسم بها الله تبارك وتعالى بالزمن وعناصره
بالصورة التي تستدعي نظرة واعية متدبّرة.
ونلاحظ ان القرآن
الكريم جعل من الزمن مادة للتأمل من اجل اكتشاف عظمة الله وقدرته كأساس لتثبيت
ايمانه به. وعند هذه الدلالة يقف المؤلف ليستشرف من الخطابات القرآنية مضافاً إلى
الدلالة على الجانب العقائدي رؤى اخرى ترتبط بضرورة احترام تقسيم الوقت (الجانب
الحياتي اليومي) وعملية رصد مشاريع الإنسان، وارتباط مصير الإنسان في الآخرة
بالزمن. في الحديث الشريف: «ما من يوم ينشق فجره الا وينادي: يا ابن آدم، انا خلق
جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتم مني فاني لا اعود إلى يوم القيامة».
القصص العبرة
ان تجارب الانبياء
(عليهم السلام) التي تحدث عنها القرآن الكريم في قصصه تعبر عن دروس تختزن مضامين
عالية من العبرة (ولقد كان في قصصهم لعبرة). وفي هذا الفصل الذي يعقده المؤلف
لقيمة الزمن في تجارب الانبياء (ع) يحاول دراسة الابعاد الحركية للزمن في تلك
التجارب المباركة.
عند تجربة النبي آدم
ابي البشر (ع) يوضح المؤلف ان المهمة التي نهض بها آدم (ع) لم تكن شاقة مقارنة
بالمهام التي قام بها من جاء بعده من انبياء الله ورسله (ع)، بحكم قلة عدد افراد
الجماعة البشرية في عهده، وارتباطهم النسبي والعاطفي به، وكذلك بساطة الحياة، فلم
تكن للوقت تلك الاهمية السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها لانعدام
مجالاتها، فتحددت اهمية الوقت على اساس التربية وادامة الحياة ودفع النوع البشري
للتكاثر والانتشار، وهذه الامور كانت تخضع للقانون الطبيعي الذي اودعه الله تعالى
في الحياة، فكانت قيمة الوقت في تجربة الإنسان لاول نبي الله آدم (ع) محددة في ضوء
الانتظار الذي يفرضه القانون الطبيعي على الاشياء، مما يجعلها غير منطوية على صفة
ابداعية.
ان المرحلة التي اخذ
الزمن فيها قيمة حضارية هي الفترة التي بعث فيها ادريس (ع) نبياً، حيث اخذ الفكر
الإنساني يخطو بشكل اوسع، وبدأت الصناعات بالتطور. فاصبح الإنسان امام اوضاع جديدة
معقدة تستدعي تلبية حاجاته المتكاثرة «مما يتطلب الابداع في حياته، وهو ما يرتبط
بالزمن بشكل مباشر، نتيجة الترابط التلقائي بين العمل والوقت» (ص34).
لقد كان منهج ادريس
(ع) في تبليغ الرسالة منهجا حضاريا يجمع بين الفكرة والمدنية «الامر الذي يستلزم
بطبيعة الحال ان يكون عنصر الزمن اساسياً في حركته وفي منهاجه التبليغي، لان
البناء الحضاري انما يتقوم بالتعامل الجاد مع الزمن، من اجل استكمال المشروع
الحضاري» (ص35).
اما في قصة نوح (ع)،
فيبرز المؤلف الفترة الزمنية الطويلة التي استغرقتها رسالته، ويستخلص من خلال هذه
التجربة التي لم تفلح في كسب المزيد من الناس للايمان بالرسالة انّه لا تناسب طردي
بين طول فترة الدعوة وحجم القاعدة الجماهيرية المستجيبة، لخروج المسألة عن العملية
الحسابية المادية، وارتباطها بالجانب العقائدي والفكري متأثرة بجملة من العوامل
النفسية والاجتماعية والسياسية. كما يستنتج الكاتب ايضاً ان قلة المؤمنين بنوح (ع)
لا يعني ان الزمن كان يمثل قيمة مهملة بحيث ان نوحاً (ع) لم يعبء بالزمن وهو يمر
عليه طويلاً دون تحقيق النتائج المطلوبة، فقد كان (ع) يعتمد اساليب مبتكرة ومتجددة
دائماً. قال تعالى: (قال رب اني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي الا
فراراً واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا اصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم
واصروا واستكبروا استكباراً ثم اني دعوتهم جهاراً ثم اني اعلنت لهم واسررت لهم
اسراراً) (نوح، 5 ـ 9).
نتمهمل هنا لنشير إلى
خطأ مطبعي ورد في الصفحة 38 من الكتاب حيث اضطربت الآيات الكريمة الواردة فيها.
لقد اختلف مسار الزمن
لدى نوح (ع) عندما وصله النداء الالهي القاطع باستكمال مهمته التبليغية (واُوحي إلى نوح
انّه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتأس بما كانوا يفعلون) (هود،
36).
وقفة اخرى هنا لتسجيل
خطأ مطبعي آخر في الآية الكريمة الآنفة الذكر، حيث حلّت «لا» محل «لن». وانما
اشارتنا إلى هذه الاخطاء المطبعية لكونها حصلت في الآيات الكريمة التي يجب مراعاة
ضبطها ودقتها.
لقد ادرك نوح (ع) مع
هذا الاعلان ان عنصر الزمن ليس في صالحه إذا ما بقيت معادلة الايمان والكفر على
ثوابتها السابقة، فتوجه بدعائه على قومه بالفناء (ربّ لا تذر على الارض من الكافرين ديّاراً انك
ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجراً كفّاراً) (نوع، 26 ـ 27).
ان قيمة اخرى للزمن
تستبطنها تجربة نوح (ع)، وتتمثل في الصبر عبر عملية واعية تكررت مرتين لتجعل من
زمن الانتظار قيمة تربوية على الصعيد العقائدي للتمحيص وفرز الصابرين عن غيرهم.
لقد كانت العملية ـ الامر بغرس النوى وانتظار الثمر عندما طلب اصحابه الدعاء
بالفجر، وقد ارتّد لذلك عدد من اصحابه عن ايمانهم.
لقد لعب الزمن دوراً
مهماً في تكوين الجانب العقائدي عند الجماعة البشرية وتثبيت الافكار الضالة لان
الاجيال المتعاقبة تربّت عليه، فنظرت إلى الفكرة الموروثة والممارسة العبادية على
انها حقيقة قائمة لا تقبل النقاش بما تمتلك من رصيد زمني موغل في القدم، حيث تحول
الزمن إلى عنصر تربوي مقدس في الاتجاه الخاطىء. وعند هذه الظاهرة يبحث المؤلف
تجارب نبوية تنطوي على صراع حضاري في مفترقات زمنية عاشتها الرسالات السماوية.
اما في قصة موسى (ع)،
فانه يبحث هذه التجربة على مراحل يفترضها في حياة موسى (ع)، الاولى يعتبر فيها ان
الزمن كان يمثل لديه قيمة عادية، وهذا ما لم يقدم لنا دليلاً مقنعاً عليه، فقبول
موسى العمل لمدة ثماني سنوات عند النبي شعيب (ع) وزيادته لسنتين اضافيتين لا يحمل
دلالة على تعامل عادي مع الزمن، بل العكس ربما يكون هو الاقرب باعتبار ان هذه
المرحلة كانت مرحلة اعداد تربوي خاص ارتبط بها موسى قبل البعثة بنبي مبعوث هو شعيب
(ع). اما المرحلة الثانية فتبدأ بالامر الالهي المتوجه إلى موسى (ع) بالذهاب إلى
فرعون والدخول معه في حوار فكري وجهاد سياسي. ثم المرحلة الاخرى التي تبدا بالهجرة
إلى فلسطين بعد ان ادرك ان الظرف الزمني ليس في صالحه، حيث تبدأ مرحلة زمنية متسمة
بالمعاناة مع بني اسرائيل.
ويؤكد الباحث ان موسى
(ع) عاش سباقاً مع الزمن في السبق على قومه في الحضور في ميعاد الطور بغية الحصول
على رضا الله سبحانه، مما يعني على تعامله مع الزمن كقيمة عبادية يجب استثمارها،
على خلاف ما كان عليه قومه الذين كان للزمن عندهم دور سلبي ساهم في انحرافهم كما
في قصة العجل والسامري.
يقول المؤلف: «ان
عناصر الايمان هي التي تحدد اسلوب التعامل مع الوحدة الزمنية، وهي التي ترسم طريقة
فهم قيمة الزمن. فموسى (ع) كان يجده بطيئاً لانه يريد ان يفوز برضا الله فاستبقه
إلى الطاعة، ووجده قومه بطيئاً كذلك لكنهم استبقوه إلى المعصية. ان الزمن في كلتا الحالتين
ثابت لم يتغير، لكن البنية الايمانية والوعي والمعرفة هي التي حددت طريقة التعامل
مع الزمن، فاعطته قيمة ايجابية في حالة موسى، واعطته بعداً سلبياً في حالة بني
اسرائيل» (ص53).
وفي قصة اصحاب الكهف
والرقيم يعرض المؤلف قيمتين مختلفتين للزمن «فمرة كانت له قيمة ايجابية، حيث ان
الفترة الزمنية التي اعقبت دخول الفتية إلى الكهف كانت فترة تغيير باتجاه الايمان،
فقد انقرض المشركون وصارت الغلبة العددية لاهل التوحيد. اي ان الزمن كان لمصلحة الايمان.
والمرة الاخرى كانت للزمن قيمة مهملة، حيث نام الفتية ثلاثمائة وتسع سنين، وحين
بعثهم الله من نومهم تصوروا انهم ناموا يوماً أو بعض يوم. اي: انهم فقدوا الاحساس
بحركة الزمن، اضافة إلى ان فترة نومهم هي زمن مهمل، اذ لم يمارسوا فيه اي عمل. غير
ان المسألة المهمة هنا ان القيمة المهملة للزمن لم تحسب على المجتمع الذي عاصروه،
انما كانت خاصة بهم لحالتهم الاستثنائية رحمة بهم. ولقد تحولت هذه القيمة الزمنية
المهملة بعد ان عرف الناس بحقيقة امرهم إلى آية عظيمة من آيات الله تعالى. وبذلك
فهي تعتبر ايجابية ايضاً بالنسبة للمجتمع، في اطار حركة الزمن وضمن سنن الله تعالى
في تاريخ الرسالات» (ص59 ـ 60).
ولا ندري السبب وراء
ايراد قصة اصحاب الكهف في الفصل المخصص لتجارب الانبياء (ع)، كما اننا نورد على
المؤلف قلة موارد المقارنة بين قصص الانبياء (ع)، خصوصاً في الحالات المتشابهة لكي
يتسنى استنتاج معطيات اوسع، ونضرب لذلك مثالاً: ان قصة اصحاب الكهف والرقيم تتشابه
مع قصة العزير الذي اماته الله ثم احياه، إلاّ ان طبيعة كلتا القصتين ومعطياتهما
تختلفان مما يستوجب المقارنة بينهما.
وعلاوة على ذلك، فان
تجارب نبوية متعددة لم يقف لديها الباحث، ونأمل ان يوفّق للتوسع فيها.
ان الفصل الثاني
ينتهي بستة استنتاجات يوردها المؤلف من خلال دراسته للتجارب النبوية التي سبقت
الرسول الاكرم خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
محمد (ص).. التجربة الرائدة
كنا نتمنى لو ان
الفصل الثالث لم يعنون بقيمة الزمن في التجربة النبوية لاختلاط هذا المعنى بتجارب
الانبياء (ع) التي تناولها الفصل السابق. والعنوان المقترح هو قيمة الزمن في تجربة
رسول الله محمد (ص).
في هذا الفصل يثبت
المؤلف حقيقتين هامتين هما:
1 ـ ان تعامل الرسول (ص) مع الزمن لا يدخل في اطار السنة النبوية
الشريفة بالمعنى المصطلح والتي هي قول الرسول وفعله وتقريره، ولا يمثل الزاماً
شرعياً بالنسبة للمسلمين. ونحن وان كنا نتفق مع عدم الالزام الشرعي في هذا الصدد
بالنسبة للمسلمين الا اننا نتوقف عند القول الاول ونحن نستمع إلى الآية الكريمة: (وما ينطق عن
الهوى ان هو الا وحي يوحى)، وذلك ما تراه مدرسة اهل البيت (ع) من ان كل
ما صدر عن رسول الله (ص) ـ ومعه المعصومون الثلاثة عشر الاخرون (ع) ـ من قول أو
فعل أو تقرير انما هو سنّة، ولكن القرائن هي التي تحدد له واحداً من الاحكام
الخمسة من الوجوب والاباحة والندب والحرمة والكراهة.
ان اساليب الرسول (ص)
العامة في العمل تمثل ـ وكما يقرره المؤلف ـ حالة نموذجية رائدة ومثلاً ومنهاجاً
اعظم ـ ولكنها مع ذلك لا توجب على المسلمين ان يلتزموا بها التزاماً حرفياً. ولكن
الاستهداء بتجربة رسول الله (ص) تقدم للعاملين على كل حال «منهاجاً عملياً واضحاً
وخطوط تحرك بينة» في تجربة متكاملة.
2 ـ الحقيقة الثانية هي ان حياة الرسول (ص) فيما يتعلق بالدعوة
وتبليغ الرسالة والجهاد والمعاناة وبناء الدولة وقيادة المجتمع كانت تسير وفق
القانون الطبيعي لحركة الزمن. ويقول المؤلف: «وعلى المستوى الشخصي كانت حياة
الرسول (ص) من ولادته وحتى وفاته تسير وفق الحسابات الزمنية الطبيعية، فهو لم يتخط
مراحل النمو المألوفة كما حدث للنبي عيسى (ع)، ولم يعمر فترة استثنائية مثل النبي
نوح (ع)، ولم يبعث في سن مبكرة كالنبي يحيى (ع). (ص68).
وهذه الخصائص الزمنية
الاعتيادية ـ باستثناء «بعض النفحات الاعجازية الخارقة مثل الاسراء والمعراج
وغيرهما»، تعطي للتجربة النبوية قيمة عملية تتيح للعاملين التعامل الموضوعي مع
المجتمع «باعتبار ان النجاح والفشل يتحدد (كذا) في ضوء صواب أو خطأ اساليب العمل
وطرق التعامل مع المواقف والاحداث في مقطع زمني محدد» (ص68).
ان المؤلف ـ وكما
الزم نفسه ـ محدد بتتبع الجانب الحركي في قيمة الزمن، ولذلك فانه لم يتعرض إلى
تعامل رسول الله (ص) مع الزمن من حيث السلوك النبوي عبادياً أو عائلياً، فقد تكفلت
بذلك كتب السيرة والاخلاق. وفي هذا الصدد يلحظ المؤلف اعتماد رسول الله(ص) للتقسيم
المرحلي الذي لم يخضع بدوره إلى تقدير زمني مسبق بنص سماوي ثابت «بمعنى ان الرسول
(ص) لم يحدد طول الفترة التي تستغرقها مراحل دعوته للاسلام، بل انّه جعل الانتقال
من الواحدة إلى الاخرى خاضعاً لظروف الساحة ومتطلبات الرسالة» (ص70).
ان اهم ما يميز مراحل
الدعوة المحمدية ذلك الالتزام المرتبط بصورة مباشرة بعامل الزمن، فمثلاً قدرة
المؤمنين على الاحتفاظ بسرية حركتهم في مرحلة الاعداد التي اتسمت بالكتمان يمكنهم
من التحكم بعامل الوقت. وكان ذلك عن وعي من رسول الله (ص) للحالة الاجتماعية التي
كانت سائدة في مكة ومتحكمة بقريش التي لم تكن على استعداد لتقبل رسالة التوحيد.
«وعلى هذا وجد الرسول (ص) ان مرحلة تمهيدية لابد ان تسبق زمن الاعلان للدعوة،
بمعنى ان مرحلة الرسول (ص) كانت موضوعية واقعية وليست زمنية» (ص74).
ولقد وفّق المؤلف
ايما توفيق في استنباط هذا الفهم المعبر عن حركة الرسول (ص) التي لم تكن تنظر إلى
الدعوة مجرد اداء مهمة وظيفية تبرأ بها الذمة وتنتهي المسؤولية، وهي الظاهرة التي
قد يقع فيها كثيرون على المستويين الفردي أو الجماعي من خلال التعامل مع المهام
الرسالية على انها عبء ثقيل يقتضي القاؤه، وبه تؤدي المسؤولية وتبرأ الذمة، من دون
التفكير بالآثار المترتبة في ساحة العمل!
ويعقد المؤلف في هذا
المقطع من بحثه مقارنة بتجارب نبوية، اتسمت بكون الزمن فيها قيمة جامدة كتجارب
يونس ولوط وشعيب ـ عليهم السلام ـ عندما توقفت حركة الرسالة عن الامتداد بحيث بات
الزمن غير قادر على خدمة الامتداد الرسالي، أو ان الزمن في بعض تلك التجارب اخذ قيمة
سلبية كما في تجربة نوح (ع) واصحاب الكهف، ولكن الزمن في تجربة النبي محمد (ص) كان
يمثل قيمة ايجابية جرى استثمارها على احسن وجه لصالح خاتمة الرسالات السماوية. حيث
لم يتمكن الاضطهاد والارهاب من تحجيم الحركة الرسالية التي كانت تتسع من الزمن.
وعندما وجد الرسول (ص) ان الزمن سيكون في الاتجاه المضاد لحركته النبوية تحول من
النمط السري إلى اعلان الدعوة.
ان «الزمن يكون ذا
اتجاه سلبي مع الصمود الدائم دون انفراج، لان اصحاب هذا الموقف يجدون في الزمن
محنة قاسية تطول كلما امتد بها وبهم الزمن. ويكون ذا اتجاه ايجابي مع القوة، لان
اصحابها يجدون في الزمن متسعاً للضغط على الآخرين بغية تحطيمهم، إلى جانب تمكنهم
من تجريب خيارات ضاغطة كلما طال بهم الزمن على قوتهم» (ص79).
ولذلك فان اعلان
الدعوة المحمدية كان قائماً على اساس اظهار الإسلام بصيغة سلمية لا يدخل العنف ضمن
منهاجها، وكان الزمن بمثابة العنصر الاكبر الذي يتوقف عليه الحسم الذي ينهي مرحلة
الصبر على العذاب قبل ان يتجه الزمن اتجاهاً سلبياً. وعلى ذلك فان رسول الله (ص) لم
يشأ ان يجعل الرسالة وحلمتها تحت رحمة ضغط الزمن وتراكم وحداته، فاتخذ خطوته
العملية الجريئة باعلان الدعوة «ضمن دائرة الاسلوب العام الذي يعتمده» واتخذ قرار
الهجرة ليغير «ثوابت التوزيع الزمني» (ص80).
ويبحث المؤلف قيمة
الزمن في مرحلة الهجرة، وينظر إلى حقيقة زمنية تفيد ان الوقت الذي استغرقته الدعوة
اطول من الوقت الذي استغرقته الدولة، ولكنه يرفض البناء على اساس ان ذلك يعني تفوق
العمل التبليغي من حيث الاهمية والصعوبة والمشقة على بناء الدولة، فليس هناك من
قانون ثابت يقنّن العلاقة الزمنية بين الدعوة والدولة. ومردّ اطلاق هذا المفهوم
بالاستناد إلى التجربة النبوية الشريفة هو عدم التعامل معها من منطلق الشمولية
المطلوبة أو النظر اليها بوصفها مشروعاً حضارياً ضخماً استطاع ان يغير مسار
البشرية ولم ينته بوفاة الرسول الاكرم (ص).
ان المؤلف يحاول ان
يوجه الانظار إلى التجربة الإسلامية ككل غير قابل للنظر بمنظار تجزيئي لدى دراسة
الخط العام، انسجاماً مع اتساع الإسلام كتجربة حضارية متواصلة.
وعليه، فلا يصح
اقتطاع تجربة الرسول (ص) ـ بما فيها من خصائص ذاتية متميزة ـ من التاريخ الاسلامي.
ان المؤلف يحاول في
هذا الفصل دراسة تعاطي رسول الله (ص) ـ وفي هذه المرحلة بالذات «مرحلة الهجرة ـ مع
الزمن كعامل حضاري مؤثر، باعتبار انّه كان يعمل (ص) لبناء المشروع الحضاري الكبير
للفرد والمجتمع والدولة. «وبذلك فان قيمة الزمن تحركت على هذه الابعاد الثلاثة والتي
تشكل المرتكزات الميدانية الاساسية في حركة الإسلام ورسالته الشاملة» (ص87). وقد
كان تعامل الرسول (ص) مع هذه الابعاد مبنياً على التوازن.
الزمن في حياة القادة الهداة
قبل الشروع في عرض
هذا الفصل ـ الرابع ـ نلاحظ على عنوانه «قيمة الزمن في حياة القادة من اهل البيت
(ع)» انّه لم يستخدم لفظ الائمة المتعارف اصطلاحاً على الخلفاء الاثني عشر الذين
يؤمن الشيعة بامامتهم. ان هذا التعبير «القادة» يوحي بالاتساع ليشمل كل من قاد
ثورة أو حركة من اهل البيت (ع)، ولا نظن المؤلف قاصداً ذلك، وانما نحسب انّه اراد
ابراز الصفة القيادية للائمة الهداة الطاهرين (ع).
في هذا الفصل يسير
المؤلف طبقاً للمنهج الترابطى في دراسة حياة وسيرة الائمة (ع) الذي يعتبر ان السيد
الشهيد الصدر (رض) هو الذي قدمه بصورة علمية حديثة، ووضع له معالم مشخصة، بحيث جعل
المنهج الترابطي هو المحصلة النهائية التي تتجمع من نتاجات المنهج التجزيئي. وينقل
عن الشهيد الصدر (رض) في هذا الصدد قوله في كتابه «اهل البيت.. تنوع ادوار ووحدة
هدف» (ص142): «وفي عقيدتي ان وجود دور مشترك مارسه الائمة جميعاً ليس مجرد افتراض
نبحث عن مبرراته التاريخية، وانما هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الامامة
بالذات، لان الامامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها، فيجب ان تنعكس انعكاساً
واحداً في شروط الائمة عليهم السلام وادوارهم مهما اختلفت ادوارها الطارئة بسبب
الظروف والملابسات، ويجب ان يشكل الائمة بمجموعهم وحدة مترابطة الاجزاء، ليواصل كل
جزء من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله».
وانما اوردنا هذا
النص للشهيد الصدر (رض) لان المؤلف يضيف حقيقة مهمة «ذات دلالة حركية وحضارية، وهي
ان طبيعة الحركات التنفيذية لا يمكن تجزئة مسيرتها، باعتبارها خطاً ثابتاً ينطلق
من القاعدة الفكرية ليغير على اساسها الإنسان فرداً وجماعة، وهي العملية الطويلة التي
تمتد مع الزمن، وتزداد امتداداتها مع تزايد التحديات ومظاهر الانحراف» (ص96).
فهناك عوامل حاكمة لا
يمكن تجاوزها وابرزها مسألة العمر وحدود الزمن مما يجعل انجاز التغيير الحضاري
متعذراً على «الفرد أو جيل الافراد» لوحده وخلال سنوات حياته.
ويبرز المؤلف للزمن
في حياة الائمة (ع) قيمتين: فعلية وكامنة، اما الفعلية فهي متحركة مع الحدث
والموقف، بحيث يترك اثراً فعلياً آنياً على الساحة التي يعيشها. واما الكامنة فكان
يتم ارساء قواعدها واسسها في الظروف العادية بانتظار نتائجها في المستقبل. وهنا
يتضح ان كثيراً من القيم الكامنة للزمن التي كان يحددها احد الائمة (ع) تتحول إلى
قيم فعلية يعتمدها امام يليه. ان هناك تلازماً وثيقاً بين قيمتي الزمن الفعلية
والكامنة في حياة الائمة (عليهم السلام).
ان التقسيم المرحلي
الذي يعتمده المؤلف في بحثه لايعني ان المراحل تعبر عن فترات محددة تنتهي كل منها
بابتداء المرحلة الاخرى، فحياة الامام قد تتداخل فيها معالم مرحلتين، كما ان
التقسيم المرحلي لدور الائمة (ع) لا يرتبط بالجانب العقائدي أو الشرعي، بل هو
مسألة خاضعة للفهم التاريخي ولمنهجية دراسة حياتهم (ع).
لقد تناول المؤلف في
الفصل الذى يعقده لدراسة قيمة الزمن في حياة ائمة اهل البيت (ع) حياتهم الشريفة
على خمسة ادوار هي: الدور الاول ويشمل حياة الاماميين علي والحسن عليهما السلام،
الدور الثاني ويشمل حياة الامامين الحسين والسجاد عليهما السلام، الدور الثالث
ويشمل حياة الائمة الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، الدور الرابع ويشمل حياة
الامامين الرضا والجواد عليهما السلام، الدور الخامس ويشمل حياة الائمة الهادي
والعسكري والمنتظر عليهم السلام.
ونرى لو ان المؤلف
كان افرد دوراً سادساً للمنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لتميز الزمن في مرحلة
امامته بالغيبتين الصغرى والكبرى، ولاننا نعتقد بان القيم الكامنة للزمن والتي
اشار اليها المؤلف قد مهدت في دور الهادي والعسكري عليهما السلام لدور الامام
المهدي المنتظر (عجل اله تعالى فرجه الشريف).
الزمن في حياة الامة
التعامل المتعارف مع
الزمن لدى الباحثين في تجربة الاُمّة الإسلامية في احسن احواله، يعبر عن الوحدة
الحسابية لحركة التاريخ، وبذلك فان الزمن يتجرد من صفته الحيّة المؤثرة والمتأثرة
بفعل الاُمّة وحركتها. رغم ان «الزمن هو الاطار التكويني للمفاهيم والنظريات التي
يراد لها ان تتحول إلى موقف وتيار واتجاه في الوسط الثقافي أو الاجتماعي أو
السياسي أو الاقتصادي» (ص140).
ان المؤلف في الفصل
الخامس الذي يفرده لقيمة الزمن في حياة الاُمّة الإسلامية يسعى إلى التعامل المركز
في بحثه مع الزمن باعتباره مضافاً إلى كونه الاطار التكويني للمفاهيم والنظريات،
باعتباره ايضاً عامل التجذير للممارسة والسلوك، ويلحظ في هذا الصدد استغلال الحكام
والزعماء في مراحل تاريخية مختلفة وفي ساحات متنوعة، دور الزمن، عندما عملوا على
فرض افكار وسلوكيات خاصة كان للزمن دور في تجذيرها. ومن ذلك الانحراف الذي دبّ في
الاُمّة الإسلامية، والركام الهائل من السلبيات والانتكاسات بحيث ان ذلك لم يكن
ليصل إلى ما وصل إليه لولا دور الزمن في تكريسه وتثبيته وتعميقه.
«ان الزمن في حقيقته عامل محايد» لا يقتصر في دوره على الجانب
السلبي وانما المبادرة بقوتها واسبقيتها وتطور توافرها على عناصر النجاح، هي التي
تمتلك التأثير الاهم، بغض النظر عن طبيعتها الخيّرة أو الشريرة.
مما يميز الفصل
الخامس تطرقه إلى نموذجين معاصرين في حياة الاُمّة الإسلامية: اولهما في افغانستان
حيث كان الزمن عامل دعم كبير لحركة الجهاد. اما النموذج الثاني فهو في العراق حيث
يلاحظ المؤلف ان عامل الزمن لا يخدم القوى المعارضة انما هو في صالح النظام
الحاكم، بحيث يكون الزمن عامل اعاقة، ويسوق المؤلف دليلاً في هذا المجال يجده
واضحاً في الانتفاضة الشعبانية التي كان الزمن في غير صالحها.
وفي الجانب الثقافي
والفكري يلحظ المؤلف في هذا الفصل ان الاجهزة الاستعمارية استغلت دور الزمن فتمكنت
من خلال برامجها البعيدة الامد ان تنشر نمطاً من الثقافة المستوردة تحول بمرور
الزمن إلى تيار سائد في حياة الاُمّة على اكثر من صعيد. «وهكذا فان حصيلة زمنية ضخمة
من الفكر الاسلامي واجهت تحديا من الافكار المستوردة، نتيجة منهجية الهجمة
الثقافية التي اعتمدت برنامجاً زمنياً، استطاع ان يوفر لها امكانية التأثير في
اجيال الاُمّة الإسلامية لعدة عقود من الزمن، ولا تزال آثارها باقية إلى الآن على
صعيد الثقافة والمجتمع والسياسة والحياة العامة» (ص145).
وفي هذا الفصل ـ
الخامس ـ يعنون المؤلف جزءاً من بحثه بـ«وقفات الزمن» ليتناول مداليل ومعطيات
الاحداث الكبيرة والوقائع المؤثرة في حياة الامم كوقفات زمنية شاخصة وفواصل زمنية
تستند اليها الدراسات التاريخية اللفصل بين مرحلتين كالبعثة النبوية الشريفة
والهجرة المباركة وما إلى ذلك.
ونجد في هذا الفصل
كذلك عنواناً آخر «فترات الزمن المسدد» يعرض فيه المؤلف ان غيبة الامام المهدي
(عجل الله تعالى فرجه الشريف) كانت منعطفاً تاريخياً كبيراً فصل بين مرحلتين
كاملتين: مرحلة الزمن المسدد (المعصوم) فقد كان الرسول (ص) والائمة (ع) من بعده
يمارسون طرح الفكر الاصيل وتصحيح الانحراف. اما المرحلة التي تلت الغيبة فقد فقدت
صفة التسديد والتوجيه بغياب المعصوم (ع)، «مما يجعل المسؤولية كبيرة امام الاُمّة
ويفرض عليها ان تصارع الزمن في نزال طويل ومرير، تتوقف نتائجه على مقدار تمسكها
بالقيم الإسلامية فكراً وسلوكاً» (ص153 ـ 154).
وتحت عنوان «تجارب في
حركة الزمن» يدرس المؤلف بعضاً من التجارب التي مرت بها الاُمّة الإسلامية بعد
الغيبة حيث كانت الاُمّة تعيش حالة من التردي والضياع نتيجة السياسات الظالمة
والمنحرفة التي سلكها الحكام العباسيون، فيستقرىء من خلال هذه التجارب «ان الاتجاه
السلبي للزمن كان اقوى من محاولات الاصلاح» (ص157).
ويتوقف المؤلف لدى
سقوط بغداد على يد هولاكو عام 656هـ ليستنتج من هذه الوقفة الزمنية التي انهت
مرحلة وبدأت اخرى جديدة وغريبة كل الغرابة على الواقع الاسلامي، يستنتج ان هذا
التحول الخطير الذي حوّل المسلمين من فاتحين إلى خاضعين لاحتلال غير اسلامي، لم
يكن ليحدث بصورة استثنائية خارجة عن حسابات الزمن، «انما كان سقوط الدولة
الإسلامية نتيجة طبيعية لتراكمات متوالية من الانحراف والسلبية في مختلف مجالات
الحياة والدولة، كانت تتجمع مع الزمن تدريجيا، فتزيد الانحراف انحرافاً والسلبية
سلبية» (ص159).
وتحت عنوان (تجدد
القوة) يتوقف المؤلف وقفة سريعة لدى الدولة العثمانية التي يعتبرها اعادت القوة
إلى الإسلام بعد حقبة طويلة من الانحسار السياسي، ولكن الصراع بين العثمانيين
والصفويين جعل الزمن يمضي في آثاره السلبية على المجتمع الاسلامي واوقف حركة الزمن
الايجابية على صعيد الفتح الاسلامي وحوّله إلى حركة سلبية مغلقة تمتصّ قوّة
الدولتين الصفوية والعثمانية.
ويعتبر المؤلف في
وقفته المعنونة (الانهيار الاخير) الفترة الاستعمارية التي اعقبت انتهاء الدولة
العثمانية على انها كانت انهياراً زمنياً خطيراً بما رافق الاحتلال العسكري من غزو
ثقافي مخطط «استهدف عقلية الاُمّة الإسلامية وعقيدتها واصالتها وشخصيتها الثقافية
والسياسية عن طريق البدائل الفكرية العلمانية، والتي اتخذت اشكالاً متعددة من
قومية وماركسية وتغريبية». ص163 ـ 164.
الفرد.. الأمّة
في الفصل السادس
والاخير يستعرض المؤلف قيمة الزمن في حياة الخالدين من ابطال الاُمّة انطلاقاً من حقيقة ان للفرد دوراً
متميزاً في صناعة التاريخ، حتى «شاع في الكثير من الدراسات استخدام اصطلاح (الدور
التاريخي) (والشخصية التاريخية) أو (البطل التاريخي) عندالحديث عن عظماء خالدين
وزعماء وقادة وعلماء اثروا في الحياة البشرية وساهموا في رسم مساراتها». ص167.
ملاحظتنا في بدايات
هذا الفصل نسجلها انّه اعتبر ادواراً لشخصيات تاريخية مقتصرة على مجتمعات معينة اذ
يقول في ص167: «وقد يكون هذا الدور محصوراً (...) أو في مجتمع معين مثل دور الامام
الشهيد حسن البنا في مصر، والامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في العراق». الا
انّه نرى عدم اقتصار دور هذين النموذجين على ما ذكر المؤلف. فحسن البنا انتج
تياراً اسلامياً امتد في مناطق شاسعة من الوطن الاسلامي وتعدّى فى آثاره مصر،
منطلق فكرته وحركته، بل ان حركات اسلامية متعددة في بقاع متعددة تدين لفكره
وحركته. اما الامام الشهيد الصدر فاننا نعتقد ان دوره التاريخي وعطاءه الفكري
والحركي قد امتدّ اكثر مما نستطيع ان نتابعه ونسجّله. ويكفينا ان بعض الباحثين
الغربيين يعتبره ـ ومن خلال رأي علمي ـ احد مؤسسى الدولة الإسلامية المعاصرة
(الجمهورية الإسلامية في ايران) من خلال آرائه وآفكاره التي قدّمها لهذه الدولة.
وإذا فهمنا تأثيرات هذه الدولة التي ادّت إلى الصحوة الإسلامية الشاملة التي
نعاصرها ونشهد امتداداتها وتفاعلاتها، ندرك قيمة الدور الذي مارسه الشهيد الصدر
(رض).
ثمة ملاحظة في
المقابل تسجّل لصالح المؤلف، حيث يرى ان المنهج العلمي في الدراسات التاريخية
يفترض فيه ان لا يقتصر على الاحاطة بالشخصية ـ موضوع البحث ـ خلال فترتها الزمنية،
وان لا يتوقف عند حدودها في الحياة. فلابد من السير مع الشخصية إلى ما بعد الموت
ومعرفة حجم العطاء المستقبلي في حركتها التاريخية «وهو ما يدخل ضمن الاستيعاب
الزمني لكافة المفردات والاثار للشخصيات التاريخية المؤثرة في المسيرة البشرية».
ص168.
ان في هذا الفصل
مفاهيم جديرة بالتأمل انطلاقاً من الفكرة الآنفة الذكر، والقائلة «ان دور الفرد
(البطل) في حركة الزمن هو اوسع من دوره في حركة التاريخ». ان دور الشخصية في حركة
الزمن يتكوّن من خلال كفاءات ذاتية ايجابية وقدرة على التأثير، بخلاف دور الشخصية
فى حركة التاريخ، «كما ان الدراسة الموضوعية التي تستقصي دور الفرد في الزمن،
وتستكشف القيمة الزمنية التي صنعها في حياته، تستند على مبررات تختلف عن المبررات
المعتمدة في التاريخ، فليس كل المميزات المعتمدة في المنهج التاريخي هي مميزات
زمنية، وذلك لاختلاف المنهجين وبحث كل منهما عن دور (البطل) الفرد وفق اسسه
وموازينه العلمية الخاصة». ص178 ـ 179.
ان هذا الرأي الذي
يطرحه المؤلف، وان بدا غير مألوف، الا اننا نتفق مع المؤلف في كونه يفتح الآفاق
امام اهتمام جديد.
اشكالية الفرد والزمن
قبل ان ينهي المؤلف
فصله السادس يتناول بالبحث اشكالية الفرد والزمن، فيثبت جملة من حقائق هذه
العلاقة:
1 ـ هناك اشخاص يتحدد دورهم الزمني بشكل مرحلي فتنحصر مهمتهم بفترة
معينة، ليست لنفاذ قوّة تأثيرهم الزمني، ولا لانتهاء عوامل الدفع الزمني في
ادوارهم، ولكن مرحلية الدور هي التي تفرض ذلك.
2 ـ لا انفصام بين دور الفرد الزمني وحقائق الواقع وظروف الساحة
التي يعيش فيها.
3 ـ قد يفرض الواقع الزمني اوضاعاً قاسية تحجم ادواراً تاريخية
لشخصيات لها القدرة على لعب ادوار اكثر خطورة واهية مما قامت به.
4 ـ قد تنتهي حياة بعض الشخصيات قبل ان يستكملوا عطاءهم، ولو كان
الزمن قد امتدّ بهم لقدمّوا اكثر. على ان ما قدموه لا يقتصر في تأثيره على المساحة
الزمنية التي عاشوها وانما يمتدّ اكثر من ذلك.
5 ـ قد يفرض بعض الابطال وجوده على المجتمع فيتعلق به تعلقاً
شخصياً عاطفياً يستمر حتى بعد وفاته، مما يولّد احياناً طابعاً سلبياً بسبب استناد
التعلق بالشخص لا بالدور، الامر الذي يجعل من هذا السلوك عامل تجميد لدور الشخص.
نتائج
حسناً فعل المؤلف اذ
خصّص في نهاية بحثه مجالاً يعرض فيه النتائج التي توصل اليها عبر فصوله الست.
يلخّص المؤلف هذه النتائج في عشر نقاط، نعرض لها سريعاً:
1 ـ اهتمام القرآن الكريم بحقيقة الزمن.
2 ـ اتخذ الزمن دوراً حضارياً تصاعدياً في التجارب النبوية
الشريفة، وضمن قيمتين: ايجابية وسلبية.
3 ـ لا تمثل حياة النبي أو الرسول المقياس النهائي لحياة مجتمعاتهم
الرسالية، فعمر النبي منفصل عن عمر مجتمعه لانعدام التلازم الشرطي بينهما.
4 ـ التكليف الالهي هو الذي يحدّد مسافة التأثير الزمني لادوار
الانبياء (عليهم السلام)، فليس انتهاء دورهم وتفاوت فترات ادوارهم الزمنية متسبباً
عن الاختلاف في القدرات الشخصية.
5 ـ تميز حياة الرسول الاكرم (ص) بسيرها وفق القانون الطبيعي
للاشياء والزمن، ما عدا بعض الوقفات الاعجازية.
6 ـ اعتمد الرسول (ص) التقسيم المرحلي.
7 ـ تميز مرحلة الهجرة باستخدام رسول الله (ص) للزمن كعامل حضاري
كبير تحرك على اساس من التوازن على الفرد والمجتمع والدولة، العناصر الثلاث التي
كان الرسول (ص) يخطط لبناء مشروعه الحضاري الكبير لها.
8 ـ مارس الائمة (ع) ادواراً متنوعة كانت باتجاه هدف واحد، وكان
للزمن قيمتان في ادوارهم: فعلية وكامنة.
9 ـ بغيبة الامام المهدي (ع) انتهت مرحلة الزمن المسدد، وبدأت
مرحلة جديدة تعتمد على طاقات الاُمّة ومقدار تثبيت القيم الصحيحة في حركة الزمن.
10 ـ بين الفرد والزمن علاقة عضوية ترابطية، فالظرف الزمني هو الذي
يرسم دور الفرد، ففي الحالات النادرة كما في شخصيات الائمة (ع) يكون الدور فاعلاً
وممتداً في حركة الزمن رغم قوّة الكوابح والمعوقات الزمنية، لانهم يمتلكون القدرة
على التشخيص واختيار البديل العلمي الافضل، اما في الحالات الاخرى فان الكوابح
الزمنية تؤثر على الكفاءة الشخصية، فتقلل من الدور الزمني لابطال التاريخ
الخالدين.
ملاحظة اخيرة
لعلنا نستطيع القول:
ان هذه الدراسة تعتبر المحاولة الاولى في معالجة هذا الموضوع البكر، ونأمل من
المؤلف ان يتوفّر مستقبلاً على دراسة اوسع في هذا المجال يسجّل فيها توثيقه
للاحداث التي عاصرها في حركة الوعي الاسلامي والعمل الرسالي الذي كان وما يزال له
باع طويل فيه. اننا نأمل كتابة لتاريخ الحركة الإسلامية تتوفر فيها عناصر الدراسة
التي بين ايدينا وفق حركة الزمن في حياة العاملين.
وفي الوقت ذاته، نأمل
كذلك ان يتصدى الباحثون والكتاب للدراسة والبحث في هذا المجال الذي يتميّز بضرورته
واهميته في واقعنا الاسلامي المعاصر الذى هو بأمس الحاجة إلى الرؤى الحركية التي
تحترم الزمن وتستوعب قيمه في الاتجاه الايجابي لصنع النهضة الإسلامية المنشودة.