العنف السياسي بين الاسلاميين والدولة الحديثة

قراءة في اسباب الظاهرة

برير العبادي

تشهد المنطقة العربية والإسلامية منذ مدة ليست قصيرة انتشار ظاهرة العنف السياسي وتسارع وتيرته إلى مستويات خطيرة باتت تهدد بحروب دامية وحالات استنزاف شديد لقوى المجتمع والدولة(1).

وظاهرة العنف السياسي في هذه المنطقة، ظاهرة قديمة وليست طارئة، مارستها قوى سياسية واجتماعية مختلفة، سواء كانت قوى حاكمة أو معارضة، أو بين القوى السياسية نفسها، اي داخل بناءها واطاراتها التنظيمية. ولجأت اليها قوى اجتماعية للمطالبة بحقوقها ولتحقيق اهدافها السياسية والاجتماعية(2).

لكن الادبيات السياسية والثقافية انشغلت منذ فترة بعنف جديد اسمه «العنف الاصولي» الذي لجأت إليه جماعات وقوى واحزاب اسلامية لمواجهة سلطة الدولة وارغامها على الاستجابة لمطالبها أو لاسقاطها وتأسيس بديل اسلامي عنها، وقد تم تناسي العنف اليساري أو اختفى من لائحة الحساب ليحل محله «العنف الاسلامي» وامتزج الموضوع بصعود القوى الإسلامية وتنامي قاعدتها الشعبية. وظهور ازمات امنية وسياسية واجتماعية جعلت الدولة القائمة تتجه إلى استخدام العنف بشكل واسع، فباتت الحياة السياسية العربية تعيش دورة من العنف لا تكاد تنتهي(3)، وسيطر هاجس العنف على الخطاب السياسي والثقافي، ثم جاءت اعوام التسعينات لتضيف مخاوف جديدة اثر اندلاع عنف مسلح على نطاق واسع في الجزائر ومصر والعراق بعد ان سبقها عنف مماثل في اعدام الثمانينات، فاصبح تاريخ المنطقة المعاصر ملوناً بدماء العنف، وغدت المواجهة العنيفة، الممارسة اليومية الاكثر شيوعاً واستخداماً سواء من جانب السلطة الحاكمة واجهزة الدولة وسواء من الطرف المقابل، ولم يقتصر العنف على الممارسة المادية والفعل اليدوي، بل سرى بشكل واضح إلى الممارسة الفكرية والثقافية، واصبح العمل الثقافي ملغوماً بلهجة العنف الحاد والارهاب الفكري(4).

وما يهمنا في هذه الاوراق هو متابعة اسباب العنف السياسي بين القوى الإسلامية والسلطات الحاكمة في المنطقة العربية، وكيف كانت فصول التجربة والى اين ستقود نتائجها؟

وفي واقع الامر ليس هناك ظاهرة اخطر من ظاهرة العنف السياسي وآثارها الاجتماعية،

_________________________________

1- يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الجزائر ومصر وطاجيكستان والعراق.

2- شهدت المنطقة العربية مختلف انواع العنف السياسي، اغتيالات، اضرابات، انتفاضات تمردات، ثورات بعد ظهور الدولة الوطنية واعلان الاستقلال ويمكن العثور على نماذج مختلفة سواء في العراق أو سوريا أو لبنان ومصر وتونس والسودان.. الخ.

3- محمد سعد ابو عامود، العنف السياسي في الحياة السياسية العربية المعاصرة، مجلة المستقبل العربي العدد 140، تشرين الاول «اكتوبر» 1990.

4- انظر على سبيل المثال رصد ابراهيم محمود لهذه الظاهرة في المثقف العربي والعنف، المصدر السابق، وكذلك تركي علي الربيعو، مجلد الناقد.

 

فهي تهدد حياة الافراد وتربك المجتمع وتشل الدولة ناهيك عن سلسلة المآسي التي تبدأ بالخسائر البشرية والمادية والفوضى الاجتماعية والخراب الاقتصادي ولا تنتهي بنسف الامن الاجتماعي وضياع فرص التنيمة بل ربما قادت إلى الحرب الاهلية.

الا ان خطورة هذه القضية، لم تدفع بعد إلى دراستها بعيداً عن الخلفيات الايديولوجية والنزعة التبريرية المسكونة بالعداء للقوى الإسلامية، بل اتجه الخطاب الثقافي إلى القاء تبعة العنف على عاتق الإسلاميين وحدهم(1)، وقد انتج هذا الخطاب ادوات ومفاهيم واستعار غيرها من الغرب لتوصيف القوى الإسلامية، فاصبحت مصطلحات التطرف والعنف الديني، والعنف الاصولي، وجماعات الإسلام السياسي، وجماعات العنف الاسلامي تقترن بالقوى الإسلامية وصفة ملازمة لها، وجرى في المقابل تبرئة الدولة وانظمة الحكم، والنخب السياسية (مدنية وعسكرية) والثقافية منه مسؤولية تصاعد العنف، اي ان العنف اصبح سمة ذاتية للقوى الإسلامية، فحتى القوى المعتدلة مرشحة لممارسة العنف في وقت من الاوقات ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى جماعات الصوفية والتنسك التي تريد بناء الإنسان الكامل وليست لها اهتمامات اجتماعية أو سياسية، ولا معركة لها مع الدولة على قضايا الشرعية والعدالة وتأمين الكفاية والحاجات الاساسية للمواطن.

ان الفكر الذرائعي الذي يلتمس المعاذير للدولة في ممارستها للعنف لم يكن يريد دراسة الظاهرة في سياق البحث عن الحل المناسب لعلاجها، بل كان يوفر الوسائل الضرورية (لشرعته) عنف الدولة السلطوي ويشجعها على المضي في مهمتها المقدسة!!

ولهذا كان الخطاب الثقافي عديم الفاعلية والجدوى في ملامسة القضايا الاجتماعية والمشاكل السياسية والاقتصادية وايجاد الحلول لها، لانه ينتهي في الاغلب لصالح الدولة ضد المجتمع وعلى حسابه وكان يوفر لها الفرصة لكسب المعارك التي تخوضها ضد المجتمع، فأستمرت تسخر اجهزتها وقوانينها في هذه المعارك، وتم خنق الصوت الآخر أو اضعافه لدرجة انّه اصبح غير مسموع، وفي مثل هذه الاجواء التي تغلق فيها ابواب الامل والتغيير والخاضعة لعنف مباشر وغير مباشر يتوالد العنف المضاد وتكتمل دورة العنف السياسي لتسيطر على الحياة العامة، ولتأتي النتائج المدمرة على اكثر من صعيد، عشرات الالاف من الضحايا والاسر المدمرة والمفجوعة، وانتهاكات صارخة لآدمية الإنسان وحقوقه الاساسية، ولاجئين يملؤون بقاع الارض، وانظمة خانقة مذعورة تزداد تبعية للخارج لضمان بقائها، فمن هو المسؤول عن ذلك، هل القوى الإسلامية وفكرها المتطرف، ام الدولة التسلطية القمعية، ام كلاهما؟!

قبل ان ندخل في تفاصيل الاسباب الدافعة نحو العنف، لابد من حصر تاريخي لاهم

_________________________________

1- هالة مصطفى في «جماعات العنف السياسي في مصر» الحياة، الاعداد 10761، 10762، 10763، وكذلك ضياء رشوان في «قوى العنف الاسلامي في مصر بين تغيير السلطة وتداولها» الحياة، 10767، آب 1992.

 

حوادث العنف السياسي التي نسبت للاسلاميين أو كانت لهم صلة مباشرة وغير مباشرة فيها، وهذه الحوادث تشمل الاسلاميين المنظمين والمؤطرين في حركات أو احزاب ولا تشمل الحوادث المتفرقة التي ينفذها افراد لا صلة لهم باجهزة حركية أو حزبية.

ويشير الحصر التاريخي إلى تسلسل لاحداث العنف السياسي على النحو التالي:

1 ـ في عام 1948 اغتيل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي وقيل ان جماعة الاخوان المسلمين كانت وراء الحادث رداً على قرار حظر نشاطات الجماعة.

2 ـ في 26 تشرين الاول عام 1954 وقعت حادثة المنشية في الاسكندرية وكان المستهدف منها جمال عبد الناصر وقيل ان منفذها كان من الاخوان المسلمين، وقد دشنت هذه الحادثة بداية عنف سلطوي رهيب ضد الاخوان وقضت على عدد من قيادات الحركة كان ابرزها المرحوم عبد القادر عودة، وتعرض فيها الاخوان المسلمين لضربة عنيفة اصبحت مثالاً نموذجياً للتعامل مع القوى الإسلامية في اغلب الاقطار العربية فيما بعد.

3 ـ اتهم الاخوان مجدداً في عام 1965 بمحاولة تدبير انقلاب عسكري والاستيلاء على السلطة بالقوة وجرى اعدام سيد قطب، وكان ملف الادانة متركزاً على كتابه «معالم في الطريق» الذي اعتبر محاولة تنظيرية وتأسيسية للعنف ضد الدولة والمجتمع.

4 ـ في عام 1974 وقعت حادثة الكلية الفنية العسكرية في الاسكندرية لقلب نظام انور السادات وقادها العقيد صالح سرية وعرفت قضيته باسم قضية شباب محمد أو حزب التحرير الاسلامي.

5 ـ في عام 1976 وقعت حوادث طائفية في مصر نسبت للاسلاميين وأدت إلى ما سمي بقرارات ايلول التي اودع فيها المئات في السجن وانتهت بقيام تنظيم الجهاد باغتيال انور السادات.

6 ـ في آذار عام 1980 بدا عنف مسلح في العراق اتهم فيه حزب الدعوة الإسلامية وهو التنظيم الرئيسي للاسلاميين واستمر العنف إلى يومنا هذا. وقد حصد الحكم ارواح عشرات الالاف من بينهم كبار الشخصيات العلمية والثقافية ابرزهم المفكر الكبير الامام السيد محمد باقر الصدر.

7 ـ في عام 1979 وقعت حادث الحرم المكي المأساوية بقيادة جهيمان العتيبي.

8 ـ في عام 1983 جرت اغتيالات وحوادث عنف في الكويت اتهم فيها اسلاميون من الكويت والعراق ولبنان.

9 ـ وفي العام ذاته جرى كشف محاولة انقلاب في البحرين اتهم الاسلاميون بتدبيرها.

10 ـ في عام 1987 حصلت احداث عنف في تونس والقى نظام بورقبية مسؤولياتها على عاتق حركة الاتجاه الاسلامي واعتقل قادتها، ثم حدث انقلاب 7 تشرين الثاني (نوفمبر) لتعود دائرة العنف إلى تونس في عام 1989 بأشد ما تكون من جانب السلطة.

11 ـ وفي الجزائر باشرت مجموعة بويعلى مصطفى عملاً مسلحاً ضد السلطة انتهى بسقوط زعيم المجموعة وافرادها صرعى أو سجناء.

12 ـ وفي عام 1988 وقعت انتفاضة الجزائر ضد السلطة وكان للاسلاميين دور فيها.

13 ـ في عام 1990 عادت الاغتيالات إلى مصر والتي طالت وزراء الداخلية السابقين المتهمين بالتعذيب واساءة معاملة السجناء ثم تعرض نقيب الصحفيين يومها مكرم محمد احمد للاغتيال، وقتل رئيس مجلس الشعب الدكتور محمد احمد المحجوب.

14 ـ وفي عام 1991 وقعت الانتفاضة الشعبية في العراق وكان دور الاسلاميين كبيراً فيها لا سيما في الجنوب والوسط.

15 ـ في عام 1991 حصلت صدامات حزيران في الجزائر والتي قادتها الجبهة الإسلامية للانقاذ وانتهت بفرض حالة الطوارىء واعتقال قادة الجبهة وايداعهم السجن.

16 ـ وفي بداية عام 1992 حصل الانقلاب على الديمقراطية في الجزائر والغيت الانتخابات بسبب فوز الاسلاميين فيها، فاندلع عنف مسلح لا تزال الجزائر تترنح من نتائجه.

17 ـ وفي آذار عام 1993 وقعت حوادث ابو قرقاص وديروط في مصر ثم اغتيل الكاتب العلماني فرج فودة وبدأت دورة عنف خطيرة في مصر لا تزال متواصلة.

18 ـ وفي الاردن اعلن عن اكتشاف تنظيم اسلامي مسلح اطلق عليه اسم شباب النفير، أو جند محمد واعتقل عدد من اعضائه كما اعتقل نائبان في البرلمان هما ليث شبيلات ويعقوب قرّش كما جرى الاعلان عن اعتقال مجموعة تنتمي لحزب التحرير الاسلامي متهمة بتدبير انقلاب واغتيال الملك.

19 ـ وفي الارض المحتلة، لا تتردد الدولة الصهيونية في اعتبار حركتي الجهاد الاسلامي وحماس، تنظيمين يمارسان عنفاً اصولياً.

20 ـ اما خارج المنطقة العربية، فان تركيا وطاجيكستان تشهدان ما يسمى بالعنف الاصولي، حيث يجري في الاولى اغتيال بعض الرموز العلمانية المعادية للهوية الإسلامية والتدين في تركيا، بينما القى الشيوعيون وحكومات روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى مسؤولية العنف المسلح على عاتق الاسلاميين لانهم عارضوا استمرار السلطة الشيوعية، وتحول هذا العنف إلى صراع سياسي.

ومن مجمل هذه الاحداث، يتبين ان الاسلاميين بشكل عام باتوا طرف صراع عنيف ومضني لم يعد يقتصر على الدائرة المحلية وحدها، اي داخل الدولة الواحدة، بل ان هذا الصراع تسرب إلى خارج الحدود الاقليمية والدولية، واصبح معركة قوى ايديولوجية وسياسية تنتمي إلى المرجعية الحضارية والثقافية الغربية، حيث تمثل سلطة الدولة واجهزتها واحزاب المثقفين ومؤسسات القمع وقوانين القضاء والقضاة، ومنابر الاعلام والثقافة وسائلها المعبئية لهذه المهمة، فيما ظهر في الطرف المقابل قوى تنتمي إلى الدائرة الإسلامية، حضارياً وثقافياً وتطالب بتعديل النموذج السياسي القائم وبناء سلطة الدولة على اسس جديدة وتأسيس الشرعية وفق موازين اكثر عدالة واقرب إلى ثقافة الشعب ووعيه وهويته وتلتقي مع ذاكرته وتنسجم مع طموحاته.

اي ان البحث عن جذور الصراع ومسبباته ينبغي ان يتركز حول دوافعه الفكرية والثقافية، ومحفزاته الاجتماعية والسياسية، واهدافه النهائية، وليس من المنطق، اللجوء إلى الاسلوب السهل في التحليل واستخدام منهج الخصوم في صراعاتهم، لتضيع الحقائق وسط دخان كثيف من الاستنتاجات المضللة، فالعنف ليس قراراً سهلاً يلجا إليه ناس متعصبون، ذوو عقول متحجرة، وانماط تفكير نسقية(1)، يتبعون ايديولوجية (فاشية!)(2)، بل ان من يصدر قرار العنف والمواجهة عن يقين وقناعة راسخة، وينطلق في اهوال صراع غير متكافىء مع سلطة الدولة العصرية المدعومة من الخارج، وينتظر الضربات المهلكة ليس مغامراً تراوده احلام النصر، أو جماعات (جعيديه وزعران) وشقاوات، أو مرضى مصابون بادواء الاغتراب وعصابيون لا يستطيعون التعايش مع واقعهم والانسجام مع خط الحضارة المتصاعد، بل انهم احسن الاحوال عقائديون أو مثاليون ذوو مشروع واضح في معالمه الاساسية والعامة، أو مضللون اخطأوا الطريق، وزاغت بهم الاهواء أو الفهم غير السليم للنصوص الشرعية ومتسرعون لتحقيق اهدافهم السياسية والاجتماعية، أو مندفعون برد الفعل على عنف الدولة ولو اقتصر الامر (العنف) على جماعات صغيرة محدودة، كما كانت «جماعة التكفير والهجرة» لصحت بعض التوصيفات والاستنتاجات، ولكن المعركة اليوم، لم تعد معركة جماعات صغيرة متمردة على سلطة الدولة وتناهض المجتمع، بل ان المعركة في جوهرها، هي معركة اغلبية قوى المجتمع حتى الصامتة ضد الدولة، اي ان الدولة استنفدت اغراضها وفقدت شرعيتها وبلغت بها الازمة حداً، لم يعد يقنع المجتمع بها، وبات عليها ان ترحل، لكن من يقبل برحيل الدولة، هل قوى الداخل المتماهية معها والتي تحقق من خلالها مصالحها، ام قوى الخارج الدولية التي رعتها ودعمتها وجعلتها امتداداً لحضارتها وثقافتها ومصالحها، من هنا تبدو المعركة خطيرة ومتشعبة ولا تمثل شأناً داخلياً بل انها تهدد (الامن والسلام العالمي!) ومرتبطة مصيرياً بمصير هذا السلام!

ما هو العنف؟

يتعدد التعريف الاصطلاحي لمفهوم العنف إلى ثلاثة اتجاهات اساسية(3):

الاتجاه الاول: العنف هو الاستخدام الفعلي للقوة المادية لالحاق الضرر والاذى بالذات أو بالاشخاص الآخرين وتخريب الممتلكات للتأثير على ارادة المستهدف. وعلى هذا الاساس، فان السلوك العنيف يتضمن معنى الارغام والقهر من جانب الفاعل، والخضوع أو المقاومة من جانب المفعول به أو المستهدف.

_________________________________

1- لاحظ سمير نعيم احمد في «المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني»، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى 1990، ص 215.

2- نادية رمسيس فرح، نقلاً عن المصدر السابق، ص 218 - 219.

3- الدكتور حسنين توفيق ابراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، سلسلة اطروحات الدكتوراه، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الاولى عام 1992 ص 42 - 43 والقسم النظري من موضوع البحث سنستفيد من هذا المصدر لتوضيح المفاهيم.

 

الاتجاه الثاني: العنف هو الاستخدام الفعلي للقوة المادية أو التهديد باستخدامها، وهذا التعريف يوسع المفهوم ليشمل التهديد بالقوة إلى جانب الاستخدام الفعلي لها، اي ليشمل السلوك القولي إلى جانب السلوك الفعلي.

الاتجاه الثالث: ينظر هذا الاتجاه إلى العنف باعتباره مجموعة من الاختلالات والتناقضات الكامنة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، ولذا يطلق عليه اسم العنف الكلي ويتخذ عدة اشكال منها، غياب التكامل الوطني داخل المجتمع وسعي بعض الجماعات للانفصال عن الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية وحرمان قوى معينة داخل المجتمع من بعض الحقوق السياسية وعدم اشباع الحاجات الاساسية (كالتعليم والصحة والمأكل.. الخ) لقطاعات عريضة من المواطنين، والتبعية على المستوى الخارجي.

وعلى هذا الاساس فان العنف هو (كل سلوك فعلي أو قولي، يتضمن استخداماً للقوة أو تهديداً باستخدامها لالحاق الاذى والضرر بالذات أو بالآخرين، واتلاف الممتلكات، لتحقيق اهداف معينة وهو بهذا اللحاظ يكون سلوكاً فعلياً أو قولياً وينطوي على ممارسات ضغط نفسي أو معنوي باساليب مختلفة، وانّه يقوم على اساس الحاق الاذى والضرر والاتلاف المادي والمعنوي بالنسبة للاشخاص والممتلكات للتأثير على ارادة المستهدفين (بفتح الدال) اي انّه يتضمن معنى الاكراه والارغام، كما ان السلوك العنيف قد يكون فردياً أو جماعياً منظماً أو غير منظم، علنياً أو سرياً، صريحا أو كامناً»(1).

وعندما تكون دوافع  العنف أو اهدافه سياسية فانه يصبح سياسياً.

اشكال العنف السياسي(2):

1 ـ العنف الحكومي: وهو العنف الذي يوجهه النظام إلى المواطنين أو إلى جماعات وعناصر معينة وذلك لضمان استمراره، وتقليص دور القوى المعارضة والمناوئة له، ويمارس النظام العنف من خلال اجهزته القهرية كالجيش والبوليس والمخابرات والقوانين الاستثنائية.

2 ـ العنف الشعبي: وهو العنف الموجه من المواطنين إلى النظام وهناك نوعان من العنف السياسي تمارسهما اجنحة السلطة ضد بعضها البعض، أو قوى وجماعات ضد قوى وجماعات منافسة لاسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية.

وعليه يكون تعريف العنف السياسي بانه «كافة الممارسات التي تتضمن استخداماً فعلياً للقوة أو تهديداً باستخدامها لتحقيق اهداف سياسية تتعلق بشكل نظام الحكم وتوجهاته الايديولوجية وبسياساته الاقتصادية والاجتماعية»(3).

_________________________________

1- المصدر السابق، ص 45.

2- المصدر السابق، ص 48 - 49.

3- المصدر السابق، ص 50 - 52.

 

وقد يختلط مفهوم الارهاب السياسي بالعنف السياسي ومن الواضح ان مجال التدخل بينهما كبير جداً، لكن الارهاب يتميز عن العنف بشكل عام، بانه حماية لاشكال معينة من العنف تتسم بدرجة عالية من التنظيم، ولا يستغرق تنفيذها وقتاً طويلاً، ولا تحتاج إلى اعداد كبيرة من البشر أو المعدات العسكرية والقوات لانجازها(1).

العنف السياسي بين الشرعية وعدم الشرعية(2)

ليس هناك اتفاق في القانون الوضعي على جواز العنف وشرعيته أو عدم جوازه، فهناك من يذهب إلى انّه سلوك مخالف للقانون وانّه جريمة سياسية تستوجب المؤاخذة والتجريم والعقاب، وناك من يحدد شرعية العنف السياسي استناداً إلى طبيعة النظم السياسية، ففي دول التعددية السياسية يعد العنف الذي يمارسه المواطنون أو فئات معينة استخداماً غير مشروع للقوة، لأنّه يمثل خرقاً للقانون وتخطياً للمؤسسات التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

اما في الانظمة التسلطية القهرية، فان ممارسة العنف من قبل المواطنين يعد عملاً مشروعاً وشرعياً لعدم وجود قنوات شرعية وفعالة للمشاركة في السلطة أو لتغييرها.

وهناك من يرى معيار الشرعية هو مدى اتساقه مع مشروع سياسي وطني أو تحرري، فالعنف يصبح مشروعاً عندما يرتبط بحركة تحرر وطني، أو هدف نبيل وصحيح.

هل العنف مدان دائماً؟

ليس العنف مرفوضاً على الدوام، وهذه الحقيقة غير مختلف عليها بين التشريع الديني (الاسلامي) والتشريع الوضعي، فالفقه الاسلامي يبيح اللجوء إلى العنف بشروط لمواجهة الحاكم الظالم ولممارسة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن حقوق الشعب والتشريع والعقيدة الإسلامية. اما التشريع الوضعي، فانه لا ينكر حق اللجوء إلى العنف، لان العنف ليس ظاهرة سلبية أو مرضية على الدوام، بل في بعض الاحيان يكون ضرورة تاريخية، وفي هذا الاطار يمكن فهم التحولات الثورية الكبرى في تاريخ الإنسانيّة التي لم تكن لتحدث لولا وجود درجة من العنف، وهكذا يظل العنف السياسي احد اساليب، بل ربما الاسلوب الوحيد للتغيير السياسي والاجتماعي عندما لا توجد مسالك سلمية وفعالة للتغيير، ومن هنا فان قبول أو رفض العنف السياسي ليس قضية اخلاقية فحسب، ولكن يتوقف على الموقف والموقع من النظام السياسي. فـ(قد) تراه القوى المعارضة للنظام والراغبة في التغيير السياسي والاجتماعي اسلوباً شرعياً لتحقيق التغيير المنشود.. وفي مثل هذه الحالات (نظام سياسي مستبد، اختلالات اقتصادية واجتماعية حادة، مستعمر اجنبي) يكون العنف السياسي الشعبي رد فعل لعنف آخر هيكلي أو بنياني ومادي تمارسه السلطة المستبدة

_________________________________

1- المصدر السابق، ص 54.

2- يراجع البحث المعنون العنف السياسي بين الشرعية والمشروعية، المصدر السابق، المدخل ص 19.

 

أو النظام المستعمر(1).

ان اللجوء إلى العنف كرد فعل على عنف تمارسه الدولة هو نموذج من ممارسة العنف المشروع وهو العنف الذي سماه الدكتور حسني حنفي بالعنف المحرر الذي يكون رد فعل على العنف القاهر(2).

لماذا تلجأ الجماعات السياسية إلى العنف السياسي؟

هناك اسباب ودوافع مختلفة تعود إلى ممارسة العنف ولا يمكن بالتالي الاعتماد على عامل واحد أو عنصر دافع بعينه بل ان هناك تداخلاً بين المتبنيات الفكرية والقيم والمثل العليا وبين الظروف السياسية والاقتصادية المعاشة، وظروف البيئة السياسية المحلية، وارتباطها بالبيئة السياسية الخارجية، وعليه يمكن حصر مجموعة من العوامل التي تشكل ارضية الانطلاق نحو العنف السياسي لارغام السلطة الحاكمة على تعديل سياستها أو تبديل اساليبها أو دفعها للرحيل، وهذه العوامل يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مجموعات:

المجموعة السياسية:

أ ـ استبداد النظام السياسي ودكتاتورية الحكم وعدم وجود مشاركة شعبية.

ب ـ حرمان القوى السياسية من حرية العمل والتعبير.

جـ ـ افتقاد المؤسسات الشرعية التي توصل صوت الجماعات السياسية إلى السلطة.

د ـ اعتماد الدولة اساليب قهرية في تعاملها مع المواطنين كالتعذيب والاغتيالات والسجن والاعدام.

هـ - انسداد آفاق التغيير وسيادة الاحباط بسبب عدم القدرة على تغيير السلطة أو تداولها بطريقة سلمية.

و ـ غياب الحوار الوطني وعدم وجود اجماع وطني حول القضايا الاساسية والمصيرية.

المجموعة الاقتصادية:

أ ـ غياب العدالة الاجتماعية وتزايد التفاوت الطبقي.

ب ـ عجز الدولة عن تلبية الحاجات الاساسية للمواطن كالعمل والتعليم والاسكان والعلاج.

جـ ـ اخفاق التنمية واحتكار السلطة ومقربيها للثروة والفعاليات الاقتصادية.

المجموعة الفكرية:

_________________________________

1- المصدر السابق، المدخل ص 19.

2- الدكتور حسن حنفي في «الاصولية الإسلامية» مكتبة مدبولي القاهرة،ص 362.

 

أ ـ تزايد السخط وعدم الرضا من جانب الجماعات السياسية على السلطة بسبب افتقاد الاخيرة للشرعية أو المشروعية.

ب ـ الازمة الحضارية أو ازمة الهوية.

جـ ـ تبعية النظام السياسي للخارج.

د ـ تفريطه بالحقوق القومية أو الوطنية أو الإسلامية وعجزه عن صيانة الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي للبلاد.

المجموعة الاجتماعية:

أ ـ ظهور القوى المهمشة التي تعيش الاغتراب وتشعر بعدم اكتراث السلطة لمصيرها واهمالها اياها.

ب ـ استشراء الفساد الاخلاقي والقيمي وسيطرة ثقافة الاستهلاك.

جـ ـ عجز الدولة عن استيعاب واحتواء القوى الاجتماعية الجديدة.

د ـ فقدان المشروع الوطني أو القومي أو الاسلامي الذي يحظى بالشرعية والاجماع ويحقق الطموحات ويزرع الامل في النفوس.

ان هذه الاسباب الكلية تعتبر محفزات ودوافع للجماعات السياسية والايديولوجية المختلفة للشروع بممارسة العنف أو التهديد به لتغيير الوضع القائم واصلاحه باعتباره المسؤول عن ظهور الازمة الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية.

وغني عن القول انّه لا توجد دولة لا تعاني من ازمة أو مجموعة ازمات لكن طريقة التعامل مع الازمة ودرجة العلاقة بين مؤسسة الحكم والشعب هي التي تقرر نوع الانعكاسات السلبية التي تتركها الازمات على المجتمع والدولة، فعندما تكون السلطة متداولة وغير متحركة لعائلة أو جماعة أو حزب أو نخبة معينة. والشعب يشعر بقدر من المشاركة السياسية والقدرة على مراقبة الحكم، فان مسؤولية الازمة لا تقع على عاتق السلطة لوحدها، بل تصبح مسؤولية جماعية. ويسمح تداول السلطة بايجاد متنفس للشعب لمعالجتها أو الامل بعلاجها، وبعكس ذلك فان التشبث بالسلطة واعتبارها قدراً محتوماً وفقدان الامل بتحسن الاوضاع وتغييرها، يدفع نحو ممارسة العنف لتغيير السلطة أو حملها على الاستجابة لمطالب القوى السياسية والاجتماعية.

الاسلاميون والعنف

ولا تشذ القوى الإسلامية عن هذه القاعدة، فاندفاع بعض التيارات والقوى الإسلامية إلى حمل السلاح واعلان الجهاد لمواجهة السلطة لا ينبغي حسابه لمجرد الرغبة في ممارسة العنف والتطرف، وانما يحتاج الموضوع إلى وعي اسبابه ودوافعه عبر تحليل الواقع الداخلي للقوى الإسلامية والواقع الخارجي الذي تتعامل معه، اي دراسة فكر هذه القوى وقناعاتها ونظرتها للامور، والمحيط الذي تعمل هذه القوى على تغييره أو اصلاحه اي الدولة والمجتمع.

ويرجع الباحثون اسباب لجوء بعض الجماعات الإسلامية إلى العنف إلى العوامل التالية(1):

1 ـ الفكر الثوري الانقلابي.

2 ـ محاصرة التيار الديني وقمعه وعدم اعطائه حرية العمل السياسي المشروع والعلني والسماح له بالوصول إلى السلطة بطريقة سلمية.

3 ـ طغيان عنصر الشباب وسيادة اليأس والاحباط من التغيير السلمي.

4 ـ غياب العدالة الاجتماعية وتزايد الجماعات الهامشية بسبب الازمات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد ركزت معظم الابحاث والدراسات التي تناولت (ظاهرة!) نزوع بعض التيارات الإسلامية إلى العنف السياسي على هذه العوامل ولم تهتم كثيراً بقضايا اساسية تكون العوامل الاصلية وفي مقدمتها:

اولاً: المعركة بين الإسلام والعلمانية حيث تمثل الدولة العلمانية الحاكمة في مجتمع مسلم مصدر قلق وصراع لم ينته حتى اللحظة(2).

ثانياً: تتفرع من علمانية الدولة قضية الاستبداد السياسي ومصادرة الحريات وحرمان المواطن من حق المشاركة في السلطة عبر القوى التي تمثله والتي ينسجم مع اهدافها وشعاراتها، اي ان الدولة التسلطية هي الحافز الرئيسي للعنف لنزوعها الدائم إلى القوة القهرية والبطش والقمع والتعذيب والسجون(3).

ثالثاً: إلى جانب غربة الدولة العلمانية واستبدادها وسلطويتها فان تبعيتها المفرطة للخارج وعجزها عن تحقيق وظائفها ومسؤولياتها الاساسية سلبها(4) اي مشروعية مقبولة ودفعها نحو الاعتماد المتزايد على الخارج (الغرب) لضمان امنها واستمرارها. فانعزلت عن المجتمع واصبحت تخشاه وتتعامل معه بالقوة.

رابعاً: التنازل عن حقوق الاُمّة والزامات عقيدتها وهويتها الحضارية بسبب العجز والتبعية المنهجية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

لا شرعية الدولة أو ازمة الشرعية!

فهناك اجماع لدى جميع القوى السياسية في منطقتنا، الإسلامية والعلمانية على ان الدولة التي ولدت في المنطقة في مطالع هذا القرن، هي دولة علمانية لا تستند إلى الشرع الاسلامي ولا تستمد منه الشرعية، بل تستمد نموذجها وشرعيتها من الغرب الذي يفصل بين الدين

_________________________________

1- الدكتور حسنين توفيق ابراهيم، المصدر السابق ص 142، وكذلك هالة مصطفى، مصدر سابق أيضاً.

2- يلاحظ في هذا الصدد كتاب الدكتور برهان غليون، الدولة والدين نقد السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت.

3- تركي علي الربيعو في «مدخل إلى ظاهرة العنف في الخطاب السياسي السلطوي» مجلة الوحدة، المجلس القومي للثقافة العربية السنة السابعة العدد 81 حزيران 1991.

4- محمد سعد ابو عامود، مصدر سابق.

 

والدولة(1). وقد نشأت منذ تلك اللحظة اشكالية اساسية هي موضوعة شرعية الدولة(2)، فظروف ولادة هذه الدولة الحديثة والمسؤوليات التي نهضت بها جعلتها تتحول بشكل تلقائي إلى كيان غريب من المجتمع تقوده نخبة متعلمة تعليماً غربياً ومستعدة دائماً لاستخدام القوة في سبيل القضاء على البنى التقليدية في المجتمع وتحديثه بالقوة، فأصبحت الدولة تمثل سلطة الخارج للسيطرة على الداخل(3) وترويضه، وغدت الدولة تمثل جماع مصالح النخبة المرتبطة بالغرب وليس جماع مصالح الشعب وتوافقه.

ورغم تعاقب النخب بوتائر سريعة وتغيير وجهة الدولة وشعاراتها(4) إلاّ انها لم تنجح في بناء شرعية لها، حتى في اللحظات التي بلغ فيها المشروع الوطني أو القومي ذروة عطائه، بل ان الدولة اشترت صمت الجمهور وذهوله وانتظاره للنتائج لتقيم نموذجاً سلطوياً يحاكي نموذج الدولة الاشتراكية حيث سلطة الحزب الواحد والزعيم الاوحد وهيمنة الدولة على المجتمع وتفتيت وجوداته ومؤسساته الداخلية.

ان المراحل التي قطعتها مسيرة الدولة وانتقالها من النموذج الليبرالي إلى النموذج الثوري الاشتراكي وتركيزها على الشعارات الوحدوية ومعاداة الاستعمار والامبريالية والعمل على انجاز مهمات التحول والبناء الوطني وصولاً إلى الوحدة القومية، لم تقنع غالبية الجمهور بصحة ايديولوجيتها وشعاراتها ولم تنجح في بناء قدر من الشرعية الدستورية والقانونية وبناء دولة المؤسسات والقانون، بل ظلت الدولة تحكم بقوانين الطوارىء والحالة الاستثنائية، ومع تحقق بعض الانجازات التنموية في ميدان بناء البنية التحتية، لكن ذلك كان على حساب الحريات ولصالح رسوخ الاستبداد وتضخم سلطوية الدولة.(5)

ومع بروز الازمات نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالمنطقة والعالم وظهور النتائج المأساوية لاحتكار السلطة والانفراد بها وظهر التململ والتمرد الشعبي الذي حفزته الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اتجهت الدولة إلى القمع لتسويغ

_________________________________

1- بشير موسى نافع في «الحركة الإسلامية المعاصرة من تمثيل الجماعة الوطنية إلى نهضة الاُمّة»، الإنسان، العدد السادس، السنة الاولى تشرين الثاني 1991 ـ ربيع الثاني 1412. وكذلك برهان غليون مصدر سابق ص 300 وأيضاً، خالد، زيادة الإسلام السياسي واشكالية الدولة المعاصرة، مجلة الاجتهاد.. العدد الرابع عشر، السنة الرابعة شتاء العام 1992 / 1412 هـ.

2- حولة ازمة شرعية الدولة، انظر، سعد الدين ابراهيم، مصادر الشرعية في انظمة الحكم العربية في «ازمة الديمقراطية في الوطن العربي» وبحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية بيروت / كانون الثاني 1987، وكذلك المجتمع والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ص 324 وأيضاً الدكتور غسان سلامة، نحو عقد اجتماعي عربي جديد، مركز دراسات الوحدة العربية.

3- وليد نور عوض، اشكالية الدولة العربية المعاصرة، الانفصال عن المجتمع، مجلة الاجتهاد، مصدر سابق.

4- محمد عابد الجابري، اشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني، تعاقب النخب بوتائر سريعة، ورقة مقدمة إلى ندوة مجلة الهلال، مئة عام من التنوير والتحديث، جريدة النهار البيروتية، 25 ايلول 1992.

5- المصدر السابق.

 

استمراريتها وهيمنتها على مقاليد الامور(1) وتبخر النزر اليسير من «انجازاتها» لتتأكل «شرعية الانجاز!» التي عولت عليها، وانتهى الامر إلى صدام محتوم خاصة عندما لجأت الجماهير إلى الإسلام تستمد منه القوة والحماية والمحافظة على هويتها وانتمائها ولاعتقادها الراسخ ان فيه خلاصها بعد ان جربت العديد من الايديولوجيات والاختبارات الايديولوجية.

ومن هنا فان المعضلة الاساسية التي واجهها المجتمع مع الدولة هي عدم قدرته على التكيف معها والخضوع لسلطانها ومنحها الولاء والطاعة واحترام قوانينها ودعم معاركها وتأييد شعاراتها، لانها ببساطة تتصادم مع تكوينه العقائدي والثقافي والحضاري ولا تنسجم مع شعوره النفسي، فهي دولة غريبة عنه ذات منشأ غير اصيل وتنتمي إلى مرجعية حضارية وفكرية اخرى، اي انها تعاني ازمة شرعية ولم تولد من سياق تطور داخلي وانما فرضتها ظروف الهيمنة الاستعمارية.(2)

وإذا كان نموذج الدولة الغربية قد رسخ اقدامه في الديمقراطية وتداول السلطة واحترام المجتمع والالتزام بالقانون والدستور، فان الدولة العلمانية في منطقتنا لم تكن ترى نفسها ملزمة بالانصياع لقانون والالتزام بدستور والنزول عند رأي الشعب، بل انها كانت من النوع الذي لا يقيم وزناً للمجتمع وتعتقد بتخلفه وهي مخولة باعادة تشكيل بناه الاجتماعية والثقافية ومكلفة بمهمة تحضيره وتحديثه واخراجه من تقليدته وسلفيته، فجاءت مهمة التبديل والتحويل الثقافي مصحوبة بمزيد من المعاداة للاسلام والاستخدام الواسع للعنف.

وقد بقيت الدولة تمثل سلطة النخبة في قبال سلطة المجتمع، اي انها مستقلة عن مجتمعها ومعتمدة على الخارج، فهي دولة الخارج ضد الداخل ولا تستطيع ان تتصور ان للمجتمع الحق في ان يقول كلمته في ايديولوجيتها العلمانية بل عليه الخضوع لها والتسليم لمنطقها.

وليس هناك شكل في ان العلمانية لم تكن مقبولة لدى الشرائح الاجتماعية الكبرى في المجتمع، بل هي كما اسلفنا ايديولوجية النخبة المتغربة، ولهذا بقيت القطاعات الجماهيرية الاوسع تنظر للعلمانية على انها رمز لمعاداة الدين والخروج عن الشرع والتماهي مع عدو الاُمّة. فالجمهور لم يكن يقنع بشرعية غير شرعية الإسلام(3) وكانت الاُمّة التي تقرر منح الشرعية في حين ان الدولة العلمانية لم تكن تستمد شرعيتها من الشريعة الإسلامية أو من الاُمّة، وتعلم النخبة الحاكمة هذه الحقيقة جيداً ولهذا تعمد في حالات الازمات إلى تملق الإسلام وشراء موقف الشرع وطلب الدعم من المؤسسة الدينية، لاضفاء نوع من الشرعية وهي شرعية زائفة في كل حال.

_________________________________

1- ابراهيم سعد الدين، مصدر سابق.

2- يقول الدكتور محمد عابد الجابري «ان الدولة الحديثة غُرست بنياتها في معظم الاقطار العربية اثناء خضوعها للاستعمار الاوروبي، فقد نقلت إلى هذه الاقطار مؤسسات اقتصادية وادارية وسياسية وثقافية من جنس تلك التي كانت قائمة في الدولة المستعمرة»، المصدر السابق.

3- بشير موسى نافع، مصدر سابق.

 

لقد ترتب على لاشرعية الدولة وعلمانيتها عدم ثقة المجتمع بها وسعيه للخلاص، وكما هو متوقع فان انعدام الثقة هذه دفع الدولة إلى ان تعطي نفسها «حق مراقبة كافة اوجه النشاط الوطني والاجتماعي عن طريق اجهزتها الآخذة بالتوسع وهي اجهزة متخصصة تشرف على الاقتصاد والزراعة والتربية.. ومع ان الدولة الحديثة تدعي انها لا تعادي الدين، وفي العادة فان رجالها مؤمنون أو غير معادين للدين ولكنهم يريدون ان يلحقوا الدين بالدولة، ويرون دوره على مستوى ايمان الفرد وعلى مستوى الاحوال الشخصية وهذا يعني باختصار ان الدولة لم تكن لتشكل عائقاً نظرياً أمام التفكير الاسلامي وامام الفقه في تاريخه الطويل، ولكن هاهي الدولة في نموذجها الحديث تطرح اشكالية امام الإسلام».(1)

ورغم محاولات السلطة الحاكمة حتى القبلية منها والتي بنت شرعية نظامها على توليفه مشتركة بين سلطة القبيلة والإسلام، تبديد اي اتهام لها بأنها تفصل فصلاً تاماً وقاطعا بين سلوكها وقوانينها وبين الإسلام الذي يشكل دائرة تفكير الجمهور، إلاّ انها اخفقت في ذلك، لان الدولة القائمة ضربت بعرض الحائط الاسس المعيارية الإسلامية الاخلاقية والاجتماعية والسياسية والميتافيزقية، أما القرآن والسنة اللذان شكلا الاسس العامة للبنية الإسلامية، فقد فصلا عن الحياة السياسية، وبهذا اصبح المؤمن يعاني من نظام اخلاقي وايماني غير قابل للتطبيع إلاّ من خلال وجود دولة تحمل اعباءه، ويعاني من اخلاقية دولة انفصلت عن اسس الإسلام الشرعية والميتافيزيقية، مما ادى إلى تمزيق البنية الاخلاقية للمجتمع».(2)

ان نتجية هذا الوضع، انعكست على موقف المجتمع من الدولة، والمواطن من السلطة، فالدولة أو السلطة تعبر عن نفسها في جهاز قمعي اكراهي لا يستمد شرعيته من مصدر دستوري أو قانوني بل من واقع القوة وحيازة ادواتها، ويصبح المواطن العادي في هذا النوع من النظام السياسي مواطناً بالاسم، لا سلطة له على ذاته أو على القرارات المتعلقة بالمجتمع، ويشكل نظام حكم الدولة مزيجاً من نظام الرعاية البطركي والجهاز البيروقراطي الموروث عن الاستعمار.. وهو بالنسبة إلى المواطن، شر خارجي مفروض عليه وضده، ومشاركته الحرة في الشؤون العامة امر مستحيل حتى لو كان الدستور يضمن له ذلك.(3)

ورغم هذه الازمة البنيوية الخطيرة التي ظلت تعصف بالدولة إلاّ انها تميزت بقدرة فائقة على البقاء، فقد استطاعت في شكلها الجمهوري، كما في شكلها الملكي أو القبلي ان تستمر في البقاء بالرغم من كل شيء، بما في ذلك اغتراب جماهيرها وشللها السياسي وفوضاها الاقتصادية، ومحاولات الانقلاب في صميمها، وحتى هزائمها العسكرية المشينة.(4)

ومثل هذه الدولة لابد ان تصل إلى موقع الصدام مع التيار الاسلامي الذي اصبح بديلاً

_________________________________

1- خالد زيادة، مصدر سابق.

2- احمد موصيللي، عوامل ظهور مفهوم الدولة الإسلامية، الاجتهاد، مصدر سابق.

3- الدكتور هشام شرابي، البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر، دار الطليعة بيروت، الطبعة الاولى 1987، ص 71.

4- المصدر السابق، ص 72.

 

لوجودها ويدعو إلى استبدالها، ويحملها مسؤولية الهزائم والانكسارات المتلاحقة، فكلما اتسعت قاعدة هذا التيار وتنامت جماهيريته، كانت هذه الدولة ترى في ذلك خطوة نحو نهايتها، فهي محاصرة بالازمات الخانقة التي ساهمت من دون شك في صنعها، وهي تفتقد اي شرعية تضمن لها الدعم الشعبي، وتواجه قوى جماهيرية ذات خطاب مفهوم ومقبول لدى الجمهور(1). فما تدعو إليه القوى الإسلامية «لا يخرج عن المطالب الشعبية التي حركت جماهير هذه الاُمّة منذ عصر النهضة: الاصالة في مواجهة التغريب، الاستقلال في مواجهة الهيمنة الاجنبية، العدالة في مواجهة الظلم، الشورى في وحكم الاُمّة في مواجهة الاستبداد.. وليس مصادقة فان تعمد هذه الجماعات الساخطة من الشباب إلى رفع راية الإسلام، فقد كان الإسلام هو دائماً ملاذ الاُمّة حينما يشتد الكرب وتتعقد الازمة.. ان الإسلام بالمعنى السياسي الاجتماعي، قبل ان يكون بالمعنى الفقهي والشعائري، هو السيف الموحد الذي ترفعه الجماعات الساخطة في وجه الانظمة المستبدة، من المحيط إلى الخليج ان الإسلام الثوري العادل في نظر هذه الجماعات هو الايديولوجية البديلة والشرعية البديلة لانظمة الحكم العاجزة ولايديولوجيتها البديلة والشرعية البديلة لانظمة الحكم العاجزة ولايديولوجيتها المهزومة».(2)

وحينما يشتد خوف السلطة من التيار الاسلامي فانها تلجأ إلى استخدام وسائل القمع المباشر أو تلجأ إلى اسلوب التحايل إذا تنازلت قليلاً، بتطبيع نوع من الديمقراطية الموجهة والشكلية لامتصاص الغضب الشعبي واحتوائه وتنفيس الاحتقان، وهدف الديمقراطية هو ضبط المجتمع وامتصاصه لصالح الدولة واسكاته، وليس لتمكين المجتمع من حكم نفسه وممارسة التغيير المنتظر، وإذا جاءت صناديق الاقتراع بنتائج لا ترضاها النخبة الحاكمة، يتم الانقلاب على «الديمقراطية!» ويصبح اغراق البلاد في بحر من الدماء والعنف السياسي وحتى الحرب الاهلية ثمناً يسهل دفعه طالما كان الهدف هو قطع الطريق على الاسلاميين حتى لا يصلوا إلى السلطة وان كان الجمهور هو الذي يمكنهم من ذلك.

ان ملاحظة عامة على الواقع السياسي في المنطقة تؤكد بوضوح ان القوى الإسلامية غير مسموح لها ان تؤسس حزباً سياسياً لانه لا يجوز لحزب ديني ان يدعي تمثيل الإسلام واحتكار تفسيره حسبما تقول السلطات الحاكمة.

وإذا كان الدستور المسطر على الورق لا يمنع الاسلاميين من مزاولة نشاط سياسي أو دعوي يجري اعادة تفسير الدستور أو الغاء بعض مواده واضافة شروط جديدة لئلا يحصل الحزب الاسلامي على رخصة العمل المشروع حتى لو حذف كلمة الإسلام من اسمه وتقيد بكافة الشروط التي يتطلبها قانون الاحزاب.(3)

_________________________________

1- الدكتور حسنين توفيق ابراهيم، مصدر سابق ص 141.

2- سعد الدين ابراهيم، مصدر سابق ص 430.

3- حصل ذلك مع حركة الاتجاه الاسلامي في تونس التي غيرت اسمها إلى النهضة ولم تحصل على رخصة العمل الرسمي. ثم ادينت بتهمة الارهاب وحكم على قادتها حضورياً وغيابياً بالسجن طويل المدة.

 

وتمنع ا لدولة اي نشاط اسلامي يبدي رأياً في قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وتكتم انفاسه ان تجرأ على ذلك، وتبيح لنفسها القول بأنها تمثل الإسلام المعتدل الذي يستجيب للمصالح العامة! فتعطل الكثير من احكام الإسلام وقيمه والزاماته الشرعية وتتعامل على اساس يتصادم ويتناقض ولا تسمح له بحق التشريع والتوجيه(1) ومن هنا لا تجد القوى الإسلامية سبيلاً لمواجهة هذا الوضع سوى محاولة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد والانكار على الحاكم اي حق في تعطيل شرائع الإسلام أو تبديلها والتصرف خلافها.

إلاّ ان الدراسات التي تابعت ما سمته الجذور الفكرية لظاهرة العنف السياسي عند بعض الجماعات الإسلامية ارجتها إلى الظروف المأساوية والقاهرة التي عاشها الاخوان المسلمون في مصر، والتأثيرات الفكرية العميقة التي احدثها كتابا المرحوم سيد قطب «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن» والتي قادت إلى نشوء جماعات اسلامية جديدة انفصلت عن جسم الاخوان المسلمين وتبنت منهجاً مغايراً هو التغيير الثوري.(2)

الجذور الفكرية الرافضة للفقه السلطاني

ومنذ وقوع حادث الكلية الفنية العسكرية في مصر عام 1974 واعدام قائد العملية العقيد صالح سرية «فلسطيني الاصل» ثم ظهور حركة التكفير والهجرة «جماعة المسلمين»، والجهاد الاسلامي التي اغتالت السادات عام 1981 والجماعة الإسلامية، انصب الجهد الفكري والاعلامي على تحميل الفكر الاسلامي مسؤولية العنف السياسي لاسيما الفكر السلفي والتراثي الذي يعتبر المنبع الاساس التي تستند إليه الجماعات الإسلامية(3) في حين ان الفقه السياسي لأهل السنة يتشدد كثيراً ـ كما سنرى ـ في جواز محاربة الحاكم حتى لو تجاوز كافة الحدود في ظلمه واستبداده، ومن هنا عدت افكار الجماعات الإسلامية كالجهاد الاسلامي والجماعة الإسلامية متطرفة واعتبرت خروجاً على مألوف الفقه السياسي. وقد اعتبر كتاب «الفريضة الغائبة» لمحمد فرج عبدالسلام الذي اعدم في قضية اغتيال السادات والذي يعتبر الوثيقة الفكرية الرئيسة لجماعة الجهاد، وكذلك البحث المعنون «حكم قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام وحتمية المواجهة الصادر عن الجماعة الإسلامية، من النصوص الاساسية التي عادة ما يرجع اليها الباحثون «لاكتشاف» الجذور الفكرية للعنف الاسلامي.(4)

_________________________________

1- الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف، كتاب الاُمّة الدوحة. قطر.

2- نلاحظ في هذا الصدد، الكم الكبير من الكتابات التي صدرت في مصر وتابعت قضية «الجماعات الدينية المتطرفة»، لكننا نحيل إلى كتابات الدكتور حسن حنفي، مثل «الحركات الإسلامية في مصر». المؤسسة الإسلامية للنشر، الطبعة الاولى 1986، وصالح الورداني في «الحركة الإسلامية في مصر، رؤية واقعية لمرحلة السبعينات».

3- د. فؤاد زكريا «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة» القاهرة 1986 ص 77 - 79.

4- هالة مصطفى، مصدر سابق.

 

ان العودة إلى مراجعة هذه النصوص تقود حتماً إلى بيان تأثير فكرة «الحاكمية» وتكفير الحاكم المبدل لشرع الله وخروجه عن ملة الإسلام، بالاضافة إلى ممارسة اسمى الفرائض، فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الحاكم الظالم الممتنع عن تطبيق شرع الله.

وهذه الافكار تحدد بشكل حاسم الموقف العملي من النظام العلماني الذي يرتبط بالغرب «الكافر الصليبي» والذي يستخدم القوة والعنف في مواجهة الداعين إلى حكم الإسلام ولا يتمثل لمنطق النصيحة والموعظة في ذلك.

ولا تختلف الحركات الإسلامية جميعها مع هذا الفكر إلاّ ان بعضها لا يرى قضية التصدي باليد لتغيير النظام الحاكم ويلتزم بالشرط الذي وضعه فقهاء سابقون وهو عدم الدخول في الفتنة لان شرور الثورة وسلبياتها تطغى على سلبيات الظلم، وهذه النقطة تتضمن مجال اختلاف كبير بين الاسلاميين، ذلك لان احكام الفقهاء القدامى اخذت بنظر الاعتبار ظروف الواقع السابق وهو انتماء الحاكم إلى المرجعية الإسلامية حتى وان كان ظالماً أو فاسقاً، في حين ان الحكم في الدولة الحديثة لم يعد ينتمي إلى المرجعية الإسلامية فهو بالاضافة إلى ظلمه واستبداده، فانه يبدل احكام التشريع في السياسة والاقتصاد والاجتماع كما ان الظروف الزمانية والمكانية هي التي قادت الفقهاء السابقين إلى تسويغ اغتصاب السلطة وتبرير امارة التغلب والاستيلاء واعتبار الحكام ولاة امر مفترضي الطاعة(1) وان قطعوا صلاتهم بالاسلام. وقد تم سحب هذه الاحكام على الواقع الحالي، فساهم الفقه السلطاني في سد آفاق التغيير امام المسلمين، فعندما يكون الحكم مطمئناً إلى ان «التشريع!» يقف إلى جانبه حتى لو ارتكب كبائر الذنوب وتخطى شريعة الله واحكامها، فانه لا يبالي في موقفه ويعتقد ان القانون الوضعي يدعمه والقانون الشرعي إلى جانبه، ويتظاهر في اداء الصلاة والشهادتين لكي لا ينطبق عليه الكفر البواح وتحل عليه الثورة.(2)

وبالنتيجة فان الفقه السلطاني وموقف المؤسسة الدينية التي عادة ما ترتبط بالدولة وتفسر الشريعة تبعاً لمصلحة الدولة وليس العكس اي ان تكون الدولة تابعة للشرع، هو الذي يحفز الاسلاميين الثائرين على الوضع القائم إلى التفتيش في ثنايا الفقه الاسلامي

_________________________________

1- الشيخ محمد مهدي شمس الدين، نظام الحكم والادارة في الإسلام، الطبعة الثانية، بيروت 1991، ص 182 - 183.

2- يجيز اهل السنة الثورة في حالة الكفر الصريح وانكار ضروري ومعلوم من ضروريات ومعلومات الدين كالصلاة والزكاة والحج وتحريم الربا يلاحظ ذلك في كتب فقهاء السنة، كصحيح مسلم وصحيح البخاري حيث يوردان الحديثين التاليين: خيار أئمتكم  الذين تحبوهم ويحبونكم، وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ولا ما أقاموا فيكم الصلاة.. «مسلم».

وعن عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي صلى الله عليه وآله فبايعناه على السمع والطاعة في؟؟ ومكرهنا وعسرنا ويسرنا واثرة علينا وألاّ ننازع أمر اهله، إلاّ ان تروا كفر بواحاً عندكم من الله فيه برهان. «البخاري ومسلم».

 

والنصوص الشرعية وتفاسير القرآن(1) للعثور على ما يسمح لهم بتغيير هذا الوضع، لان الانتظار لا يجدي نفعاً، ولان قوّة الدولة وسلطانها والدعم الذي تحصل عليه من الخارج، وعملية التغريب المتواصلة لا تسمح بالتأجيل لأجل غير معلوم.

وفي واقع الحال، فان الفقه الاسلامي لا يعدم الكثير من النصوص التي تبيح الثورة وتغيير نظام الحكم(2) ولكن غلبة الفقه السلطاني واهمال النصوص المغايرة هو الذي جعل عامة الناس وذوي المصلحة يعتبرون فكر التغيير متطرفاً وخارجاً عن المألوف العام للفقه السياسي.

ان اشتراط كفر الحاكم وانكاره ضروريات الدين شرطاً للثورة، دفع اجهزة الإسلام الرسمي والتقليدي إلى تخطئة جماعات الإسلام الثوري في تكفيره للحاكم، وخطأ التصدي باليد في مباشرة فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن هذه المؤسسات لم توفر البديل المناسب لمنع الحاكم من الاستئثار بالسلطة وفصل الدين عن الدولة والمجاهرة بالعلمانية في كل شيء، ولم تدل الناس على كيفية وقف السلطة عند حدودها عندما تطبق سياسات ومناهج متناقضة مع الإسلام في السياسة والاقتصاد والثقافة والاعلام ومناهج التعليم والعلاقات الدولية، بل تركت ذلك للحكم على اساس تقدير المصلحة! وتعطى الشرعية للحاكم في سلوكه لانه مسلم وغير مرتد ولا كافر بل ينبغي نصحه وتسديده والدعاء له! محتجة باسلامية الدستور لانه يتضمن البند الذي يقول ان الإسلام هو مصدر التشريع، وان دين الدولة هو الإسلام.

وهذا الاسلوب لا يوفر الجواب المقنع للجماعات الإسلامية التي ترفض التفكير من خارج الإسلام وتبني وجودها على عامل العقيدة. فالفكر الاسلامي التقليدي الذي يضفي الشرعية على الحكم في كل زمان يعالج شرعية الحكم من خلال الدفاع عن عدم كفر الحاكم، ويسكت عن علمانية الدولة وعدم التزامها بالشريعة ويعتذر لها باباحتها لبناء المساجد وقراءة القرآن وبث الاذان والتقيد ببعض النصوص الإسلامية في الاحكام الشخصية.

وكان من نتائج هذه المواقف ان اصبح دعاة هذا الخطاب يدافعون عن النظام السياسي القائم متآزرين مع النخبة العلمانية الحاكمة فتصبح الدولة واجهزتها ومؤسساتها في جهة

_________________________________

1- بالاضافة إلى نصوص القرآن الصريحة هناك الكثير من الاحاديث والروايات الموثقة من الرسول التي تدعو إلى الوقوف بوجه السلطان الجائر، اوردتها كتب الصحاح وغيرها كرواية الحسين بن علي عليهما السلام عن جده رسول الله في قوله: من رأس سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله. ناكثاً لعهد الله. مخالفاً لسنّة رسول الله (ص) يعمل في عباده بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل أو قول، كان حقاً على الله ان يدخله مدخله..» راجع تاريخ الطبري وابن الاثير وتاريخ ابن الكثير.

2- بالاضافة إلى نصوص القرآن الصريحة هناك الكثير من الاحاديث والروايات الموثقة من الرسول التي تدعو إلى الوقوف بوجه السلطان الجائر، اوردتها كتب الصحاح وغيرها كرواية الحسين بن علي عليهما السلام عن جده رسول الله في قوله: من رأس سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله. ناكثاً لعهد الله. مخالفاً لسنّة رسول الله (ص) يعمل في عباده بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل أو قول، كان حقاً على الله ان يدخله مدخله..» راجع تاريخ الطبري وابن الاثير وتاريخ ابن الكثير.

 

والتيار الاسلامي الداعي إلى التغيير في الجهة المقابلة، وهذا التقابل في المواقف والافكار والرؤى هو الذي يدفع حتماً إلى المواجهة. لان معركة الشرعية هي اخطر كل المعارك وبسببها حدثت الازمات والانكسارات والهزائم، وأخفقت النهضات ومشاريع التحديث، وفي ظلالها حصلت كل الثورات والاحتجاجات والانتفاضات.

ولو كانت هناك امكانية لتداول السلطة والاحكام لرأي الشعب والتسليم له لامكان الغاء دوافع اللجوء إلى العنف ولكن عندما يسود منطق احتكار السلطة وتحريمها على الآخرين، فان العنف يبرز كخيار وحيد لحيازة السلطة ويغدو حقاً لكل جماعة تطمح إلى الامساك بالسلطة لدوافع دينية أو مذهبية أو قومية أو قبلية.

ان الحاكم تجب له الطاعة طالما هو ملتزم بالشرع والقانون، فاذا عصى فان على المسلمين تذكرته، ثم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم الذهاب للقضاء، فاذا لم يستمع الحاكم وجب الخروج عليه(1) ولكن كيف هو السبيل للخروج إذا كانت المؤسسة الدينية تدعمه وشطر من الناس يؤثر السلامة ويبني موقفه انسجاماً مع موقف المؤسسة الدينية الرسمية. ويحسب الف حساب لقوة الدولة وبطشها وقمعها رغم سخطه عليها والعمل السلمي لا يؤدي دوره مع ثبات السلطة على سياساتها ومواقفها وبالتالي فان العمل الثوري يصبح هو البديل الممكن والاكراه هو الخيار الوحيد في مواجهة اي نظام لم يأت باختيار حر ولم يحصل على بيعة أو عقد واختيار. ومن هنا فان جرثومة العنف نشأت في احضان الدولة التسلطية وكبرت، وبذلك هيأت الجو لنشوء العنف المضاد. وعبر هذا فأننا نرد الكرة إلى مرمى الطرف السطوي، فالعنف يبدأ منه ويعاد اليه(2)، فالتغيير العنيف يصبح الوسيلة الاخيرة للتعبير عن رفض الواقع السلطوي، والعنف يكون هنا رد فعل للدفاع عن الذات ومحاولة لاستعادة الحقوق المضيعة والمصادرة وفي مقدمتها حق المشاركة في السلطة ومنع اغتصابها وتأسيس نظام الدولة على شرعية واضحة تحظى بالاجماع الشعبي.

ان هذا هو جوهر الازمة الحاضرة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فأينما وجدت حركة اسلامية ناشطة تخشاها الدولة فان العنف هو قرين ذلك المناخ السياسي، فمن الجزائر ومصر وتونس إلى العراق وطاجيكستان وتركيا، تبدو الازمة واحدة مع فوارق تفصيلية بحسب الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة، فرأس الاسلاميين هو المطلوب لانهم اصوليون ارهابيون متطرفون يريدون تقويض نظام الدولة وبناء دولة دينية قروسطية ذات منهج شمولي استبدادي! ويهددون الوحدة الوطنية! كأن شرعية السلطة امر محسوم على الدوام لصالح الفكر الحديث! الذي تحمله القوى النخبوية، ولا يحق لمن يفكر من داخل الدائرة الإسلامية ان يطالب بحقه الشرعي، وما هو مسموح به اداء العبادات والشعائر في المساجد فقط، وحتى هذا الحق مرفوض في بعض البلدان كالعراق، فاذا كانت بعض الانظمة

_________________________________

1- الدكتور حسن حنفي، «الاصولية الإسلامية» مصدر سابق ص 362.

2- تركي علي الربيعو، «مدخل إلى ظاهرة العنف في الخطاب السياسي السلطوي» مصدر سابق.

 

تطارد الناشطين الاسلاميين المنخرطين في عمل سياسي مباشر فان كلفة التدين الشخصي ذي النزعة الفردية عالية جداً في العراق اذ الجميع خاضعون لقرار الاعدام الذي صدر في آذار  عام 1980 والذي يحكم بالاعدام كل من انتمى إلى الحركة الإسلامية أو روّج لافكارها(1) وعندما يطرح السؤال، من الذي منح حكم صدام حسين الشرعية واعطاه الحق في حرمان شعب بأسره من حق الحياة وحق التعبير عن الرأي إذا لم يرتبط بحزب السلطة وهو يحكم بأيديولوجية علمانية وبمنطق الدولة التسلطية الطائفية والعنصرية التي لا تجسد مصالح التكوينات الاجتماعية والاتنية المختلفة؟ ليس هناك من يستطيع الجواب،فالنظام يجيب بانه يحكم بالشرعية الثورية لانه امتلك السلطة بطريقة انقلابية ومارس العنف السياسي ضد جميع القوى التي يخشاها قبل ان تصطدم معه.

وإذا كان العراق مثالاً صارخاً على ازمة شرعية الدولة والسلطة التي اوصلت المجتمع إلى الانهاك والبلاد إلى التدمير والانهيار، فان انظمة اخرى لا تختلف عن الحكم في العراق رغم ان بعضها يحاول التصرف بطرق اكثر حكمة وذات غطاء من المشروعية في ظاهر الامر، إلاّ ان الحقيقة المرة تكشف عن محنة شديدة فالدولة الحديثة هي بكل صراحة دولة الغرب ضد الامة(2)، ولم يكن مفاجئاً ان يقف الغرب مع هذه الدولة في معاركها الداخلية ضد قوى

_________________________________

1- جاء في القرار: استناداً إلى احكام الفقرة «أ» من المادة الثانية والاربعين من الدستور المؤقت، قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 31/3/1980 ما يلي:

لما كانت وقائع التحقيق والمحاكمات قد أثبتت بأدلة قاطعة ان حزب الدعوة هو حزب عميل مرتبط بالاجنبي وخائن لتربة الوطن ولأهداف ومصالح الاُمّة العربية، ويسعى بكل الوسائل إلى تقويض نظام حكم الشعب ومجابهة ثورة 17 تموز مجابهة مسلحة لذلك قرر مجلس قيادة الثورة تطبيق احكام المادة 156 من قانون العقوبات بحق المنتسبين إلى الحزب المذكور مباشرة أو العاملين لتحقيق اهدافه العملية تحت واجهات أو مسميات اخرى ينفذ هذا القرار على الجرائم المرتكبة قبل صدوره التي لم يصدر قرار بأحالتها إلى المحكمة المختصة.

صدام حسين

مجلس قيادة الثورة

ويذكر ان المادة 156 من قانون العقوبات تنص على ما يلي:

يعاقب بالاعدام من ارتكب عمداً فعلاً بقصد المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة ارضها وكان الفعل من شأنه ان يؤدي إلى ذلك.

وتجدر الاشارة إلى ان حزب الدعوة الاسلامي كان يدعو إلى اقامة حكم اسلامي، فقد شمل القرار جميع الداعين إلى اقامة حكم اسلامي، فحصلت مذبحة طالت عشرات الآلاف وشملت الشيعي والسنّي والعربي والكردي، يلاحظ كتاب الدكتور وليد الحلي «حقوق الإنسان في العراق»، لندن.

والى هذه الاتهامات يشير الدكتور سعد الدين ابراهيم إلى ان بين الوسائل التي لجأت إليها الانظمة لملء فراغ الشرعية هو استخدام وسائل القمع المباشر، من خلال الاعلان بصفة دورية عن اكتشاف مؤامرات لقلب نظام الحكم أو التخابر مع وجهات اجنبية أو العمالة أو الخيانة العظمى، انظر مصادر الشرعية في الانظمة العربية في ازمة الديمقراطية في الوطن العربي، مصدر سابق.

2- يقول الدكتور محمد عابد الجابري، اما العلاقة بين الدولة والمجتمع فقد بقيت سري في القوالب نفسها التي كانت تسري فيها سلطة دولة الاستعمار، قوالب واجهزة مهمتها احتواء المجتمع والهيمنة عليه، اشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني، مصدر سابق.

 

التغيير ولاسيما الإسلامية، ما من معركة خاضتها سلطة من سلطات الدول القائمة ضد الاسلاميين إلاّ كان الغرب هو الظهير الاكبر لها في تلك المواجهة، أليس ذلك دليلاً صارخاً على ان هذه الدولة هي امتداد للمشروع الغربي في منطقتنا(1) وإذا حاولت التملص من هيمنته كان لها بالمرصاد!

ربما يقال بأن العنف السياسي ليس هو الحل الامثل لهذه المشكلة لان ميزان القوى هو لصالح الدولة دائماً بسبب امتلاكها مصادر القوة من جيش ومخابرات واقتصاد واعلام بالاضافة إلى دعم الخارج لها، ولكن ما هو الحل، واي خيار يمكن سلوكه لتفادي العنف؟

ثمة اعتقاد سائد يدعو إلى تعميق الممارسة الديمقراطية وتقوية مؤسسات المجتمع المدني واقناع القوى القابضة على السلطة باحترام رأي الشعب، لكن ما حدث في الجزائر اطاح بهذه المقولات، وجاءت احداث مصر لتؤكد ان الديمقراطية المقترحة عقيمة لا تستجيب لمطالب الجمهور، فالى الآن لا تسمح السلطة في مصر لجماعة الاخوان المسلمين بحق العمل كحزب سياسي وتستند إلى قرار الحل الذي اصدره عبدالناصر عام 1954، وقد اصبح الشعار الوحيد للدولة الحديثة هو استئصال الاصولية قبل ان تستقر  الديمقراطية، بل لم تتحدث هذه الدولة عن الديمقراطية إلاّ بعد ان احرجتها القوى الإسلامية، فلجأت إلى هذا الشعار لتجميل وجه السلطة الاستبدادي، ان تجنب اراقة الدماء والمحافظة على الاستقرار السياسي والاقتصادي وحماية الوحدة الوطنية مبادىء لايمكن ان تختلف عليها القوى السياسية والايديولوجية الحقيقية، لكن الفتنة المترتبة على استمرار سلطة القمع والارهاب والعلمانية هي اكبر بكثير من فتنة الخروج على نظام الحكم بطريقة شرعية وصحيحة وعادلة، فلم تحمل الحركة الإسلامية في العراق السلاح إلاّ بعدما بادر النظام إلى حملة تصفية جسدية وارهاب فكري وسياسي خطير ومن اجل الدفاع الشرعي عن النفس ووقف العدوان، ولو لم تنقلب النخبة العلمانية في الجزائر على نتيجة صناديق الاقتراع لما عاشت الجزائر فوضى العنف الرسمي الشعبي المضاد له. وما كانت طاجيكستان لتشهد حرباً اهلية لو ان القوى الشيوعية المدعومة من روسيا لم تبادر إلى اعلان الحرب على القوى الإسلامية لتصفيتها منذ البداية حتى لا تقوى شوكتها، لان الشيوعيين يرفضون ان تتحول طاجيكستان إلى دولة اسلامية! والخبراء يعرفون جيداً ان طاجيكستان ابعد ما تكون من الحكم الاصولي، فشعبها الذي عاش بعيداً عن الإسلام يحتاج إلى سنوات طويلة ليستعيد ابسط المفاهيم والاحكام الشرعية وهو لم يكن يطالب بأكثر من عودة الاتصال بتاريخه وحضارته واستعادة هويته ولغته الاصلية!

_________________________________

1- فالحق ان الدولة ذات النموذج الغربي التي عرفتها التجارب الإسلامية المختلفة هي التي طرحت ولأول مرة، امكانية دولة علمانية أو دولة لا تستهدي بمبادىء الإسلام أو بكل بساطة دولة تضع نفسها خارج اي نموذج من النماذج الإسلامية المعروفة في التاريخ، ذلك لان كل الدول بما في ذلك الدول التي لم تأخذ بالنظام الجمهوري تضع لنفسها دساتير مأخوذة عن دساتير الدول الغربية، خالد زيادة مصدر سابق.

 

موقف فقهاء أهل السنّة من الثورة:

يرفض معظم فقهاء السنّة السابقين الثورة ضد الحاكم الظالم ولا يجيزون الخروج عليه رغم ايمانهم بأن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة واجبة ويشترطون الثورة المسلحة في حال كفر الحاكم الصريح وانكاره معلوماً من الدين فقط، وما عدا ذلك فان اغلبهم يدعو إلى الصبر والتغيير السلمي.

يقول الدكتور محمد عمارة: لم يختلف اي من علماء الإسلام على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقد اجمعوا على وجوب التغيير السلمي، لكن الخلاف بينهم قام حول استخدام العنف، السيف - الثورة ـ في التغيير، لا كراهية للتغيير وانما لاختلافهم في الموازنة بين ايجابيات وسلبيات استخدام العنف في التغيير ولقد نهضت طبيعة مناهج التفكير، وملابسات العصر بدور كبير في هذا الاختلاف.(1)

جاءت في مقالات الاسلاميين للاشعري: ان اهل الحديث اتفقوا على ان السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية، وان الامام قد يكون عادلاً وقد يكون غير عادل وليس لنا ازالته وان كان فاسقاً وانكروا الخروج على السلطان ولم يروه.(2)

ويقول احمد بن حنبل «ومن غلب بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يبيت ولا يراه اماماً عليه براً كان أو فاجراً فهو أمير المؤمنين».(3)

ويقول ابن تيمية في منهاج السنة: ان المشهور من مذهب اهل السنة انهم لا يرون الخروج على الائمة وقتالهم بالسيف وان كان فيهم ظلم لان الفساد في القتال والفتنة اعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة فيدفع اعظم الفاسدين بالتزام الادنى.(4)

وفي شرح صحيح مسلم يقول النووي: «وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام باجماع المسلمين وان كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الاحاديث بمعنى ما ذكرته، واجمع اهل السنة انّه لا ينعزل السلطان بالفسق وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله اكثر منها في بقائه.(5)

وجاء في الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي الطوسي: والذي نراه ونقطع به انّه يجب خلعه ان قدر على ان يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير فتنة ولا تهييج قتال وان لم يكن ذلك إلاّ بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بامامته، فان السلطان الظالم الجاهل متى

_________________________________

1- الدكتور محمد عماره، «الإسلام وضرورة التغيير» مجلة العربي العدد 413 شوال 1413، نيسان 1992.

2- الدكتور محمد عماره، تيارات الفكر الاسلامي، دار الوحدة 1985 ص 153 نقلاً عن محمد السعدي في البحث الذي أعده بعنوان العنف السياسي في الحركات الإسلامية المعاصرة مجلة رسالة الجهاد.

3- المصدر السابق، ص 153.

4- المصدر السابق، ص 154.

5- صحيح مسلم بشرح النووي، دار احياء التراث العربي، بيروت ج12.

 

ما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له.(1)

وهناك قلة من فقهاء السنة اجازت أو اوجبت الخروج على الحاكم الفاسق المتمادي في الجور والظلم بشرط امتلاك القدرة على ذلك ومن هؤلاء ابن حزم الذي افتى بجواز الخروج على الحاكم الظالم لان الاحاديث المجيزة للخروج على الفاسق الظالم ناسخة في رأيه للاحاديث الآمرة بالصبر التي وردت في مبدأ الإسلام ولقوله تعالى (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى الله) «الحجرات 9» ولانه يجب على المسلم ازالة المنكر، ولا طاعة في معصية. ومن قُتل دون ماله أو دينه أو مظلمته فهو شهيد.(2)

ويقول الدكتور عبدالكريم زيدان في كتابه «الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية»: ان المركز القانوني لرئيس الدولة هو مركز الوكيل بالنسبة للامة، فمن البديهي ان يكون من حقها عزله إذا خرج عن حدود وكالته أو لم يقم بمهام الوكالة عجزاً أو تقصيراً ولان من يملك التعيين يملك العزل، يقول ابن حزم «فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، فاذا زاغ عن شيء منهما منع من ذلك واقيم عليه الحدّ، والحق فان لم يؤمن اذاه إلاّ بخلع خلع وولي غيره» وإذا كان للامة عزل رئيس الدولة فلها ان تباشره بواسطة ممثليها وهم اهل الحل والعقد بأن يسحبوا ثقتهم منه ويقرروا عزله ولكن ربما لا يستجيب رئيس الدولة لهذا القرار وفي هذه الحالة يجوز للامة استعمال القوة لتنحيته من منصبه إذا وجد المبرر الشرعي لذلك مثل خروجه السافر على نهج الإسلام واحكامه، ولكن اللجوء إلى القوة مشترط بتوافر القوة اللازمة ورجحان النجاح وبدون ذلك لا يجوز العنف لان من قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ألاّ يكون العمل على ازالته المنكر مستلزماً منكراً اعظم.(3)

ويقول الدكتور القرضاوي في كتابه «الحل الاسلامي فريضه وضرورة» اتفق فقهاء المسلمين على ان ازالة المنكر باليد تشرع لمن يملك القدرة على التغيير وبشرط ان لا يترتب على ازالة المنكر منكر اكبر منه فالواجب هو التغيير باللسان والقلب حسب الاستطاعة حتى تحين الفرصة.(4)

ولن نزيد في ايراد نصوص فقهاء السنة التي لا تجيز عزل الحاكم الظالم والفاسق والثورة عليه، فقد اعتمدت كلها تقريباً على احاديث منسوبة إلى الرسول (ص) اوردها مسلم في

_________________________________

1- تيارات الفكر الاسلامي، مصدر سابق ص 192.

2- الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته ج6، ص 79، دار الفكر دمشق، ط2 1985.

3- الدكتور عبدالكريم زيدان، الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية، الاتحاد الاسلامي العالمي للمنظمات الطلابية 1978، ص 50 - 52.

4- الدكتور يوسـف القرضاوي «الحل الاسلامي، فريضة وضرورة»، مكتبة وهبة القـاهـرة ط3، 1977، ص 159.

 

صحيحه تنص على وجوب طاعة الحاكم البر والفاجر(1)، واختفت اصوات من اجازوا الثورة لظروف سياسية وتاريخية معروفة. ونحن نلحظ ان اهل الحديث قد غلبوا الالتزام بالمأثورات الداعية إلى طاعة الامراء دون تمييز احياناً بين «امراء القتال» الذين قيلت فيهم هذه الاحاديث، وبين امراء وولاة الجور الذين دار بشأن الثورة عليهم الخلاف، كما نلاحظ ان الفترات التي اشتد فيها الخطر الخارجي على الدولة الإسلامية هي التي زادت فيها وعلت الاصوات الرافضة للثورة على ولاة الجور، وذلك تغليباً في الموازنة لكفة الوحدة في مواجهة الخطر الخارجي على كفة الصراع الداخلي ضد ولاة الجور.(2)

ومن الواضح ان هذه المواقف سحبت في الوقت الراهن لمنع الثورة على الحاكم في الدولة الحديثة مع عدم ملاحظة الفارق الاساسي وهو ان الاُمّة في ذلك الوقت لم تكن تتأثر في عقيدتها ودينها ونهجها الحضاري بفسق الحاكم وظلمه لوجود الفقهاء والعلماء واستقلالية المجتمع عن الدولة. ولهذا جاء المئات من الحكام الظالمين وذهبوا دون ان تتأثر ثقافة وفكر المسلمين وبقيت في اطار الإسلام، اما في الواقع الراهن، فان القضية لم تعد محصورة في فردية الظلم أو الفسق والخروج عن الحدود الشرعية،بل القضية وجهة الدولة بأسرها بعدما اصبحت الدولة مؤسسة المؤسسات. فالدولة الحديثة غير الدولة السلطانية القديمة التي تكتفي بجباية الضريبة وحماية الثغور وحفظ الامن، بل ان الاخطر في الدولة الحديثة هو منهجها الفكري والسياسي والثقافي الذي يستولي على الفرد والمجتمع! ولو كانت الدولة الحديثة القائمة في منطقتنا تحكم في اطار الإسلام لصحت ربما مواقف فقهاء السنة على وجه من الوجوه. اما ان تكون الدولة علمانية والحكم يشعر بأنه غير مقيد لذرة بقيود الإسلام، فان سحب الموقف الفقهي السابق لا موضوع له، ويتعين والحال هذه التعامل معه بطريقة اخرى.

وإذا كان سيد قطب وحركتي الجهاد الاسلامي والجماعة الإسلامية واخيرا الجماعة الإسلامية في الجزائر قد استندت في مواقفها الجذرية ضد انظمة الحكم على مبنى فقهي تفسيري مغاير لما درج عليه فقهاء السنة، فان ملاك هذا الموقف كان الإسلام نفسه وان كان خلاف الاجماع الفقهي التاريخي، ولا يمكن القول ان حركات جديدة لن تنهج نفس النهج إذا اشتدت محنة المسلمين، اجتهاداً في النصوص واعادة قراءة لمضامينها من جديد، ومن هنا فان علاج دوافع لجوء بعض الحركات الإسلامية إلى العنف والثورة المسلحة لن يكون ناجحاً بمواجهتها بمنطق الفقه السلطاني، وانما بالبحث عن علاج حقيقي للازمة التي تواجهها الاُمّة والدولة، الامر الذي يتطلب وحدة موقف جميع القوى المخلصة والجادة التي يهمها مصير ومستقبل هذه الاُمّة وليس بتشطير المجتمع والدفاع عن الدولة الحالية والتمسك بالسلطة القائمة ومعاداة اعدائها. فهذه المواقف لم تعد تستوي على منطق معقول.

ان نشوء السلطة العربية الحديثة كان يعني اذاً منذ البدء وفي اسسه ذاتها من غياب

_________________________________

1- الشيخ محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 181.

2- الدكتور محمد عماره، الإسلام وضرورة التغيير، مصدر سابق.

 

الشرعية، وإذا قدر لهذه السلطة ان تستمر في اشكالها واطرها الراهنة، فليس ذلك نتيجة لاعتمادها على شرعية تقليدية هنا وقانونية ـ عقلانية هناك، من قليل أو بعيد، بل لادراكها ان بقائها يتوقف على تنميتها السريعة لجهاز الغلبة الطبيعية، اي لقوة القهر المادية والروحية العسكرية والثقافية.. فالقانون الوحيد للسلطة العربية الحديثة كان واصبح اكثر فأكثر، اليوم قانون القوة، اي التعسف المطلق(1) وليس جديداً القول بأن العنف يولد العنف، وان قانون الدولة له رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه!

وما هو مطلوب لمعالجة هذه المحنة ليس الطلب من الحركات الإسلامية بنبذ العنف والتمسك بالاعتدال والتروي واقناع الآخرين بأن هدفها ليس الوصول إلى السلطة(2) بأي ثمن كأنها هي وحدها المسؤولة عن العنف. فعنف الكثير من الحركات الإسلامية هو رد فعل على عنف الدولة كما يقول الشيخ راشد الغنوشي(3)، ولكي تلتمس الحلول لهذه المشكلة فليس هناك علاج لعامل واحد، بل لعوامل المشكلة الاصلية. فعلاج لا شرعية الدولة، والاستبداد والقهر يتطلب اعترافاً بالمشكلة واخلاصاً في معالجتها، وعندئذ ينطلق الحوار بشكل جدي وهادف بين الاسلاميين والعلمانيين، وبين التيار الاسلامي والتيار القومي، وبين ابناء الجماعة الوطنية، وما من مشكلة مهما بدت خطورتها لا تحل بالحوار بعد الاعتراف المتبادل بين اطراف الجماعة الوطنية، فاذا حصل الخلاف، فليكن الحل بيد المجتمع لانه صاحب المصلحة ولان مصيره ومستقبله يتوقف على قراره وارادته.

***

_________________________________

1- الدكتور برهان غليون، في «ازمة الديمقراطية في الوطن العربي»، مصدر سابق ص 438.

2- لاحظ دعوة الدكتور عبدالله بوعزة في «الحركة الإسلامية، رؤية مستقبلية اورا في النقد الذاتي» تحريم وتقديم د. عبدالله النفيسي ـ مكتبة مدبولي ص 178.

3- راشد الغنوشي، مجلة العالم، العدد 480، نيسان 1993، ذو القعدة 1413، وكذلك العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله، المصدر نفسه.

الفهرس