التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 85

افتراؤه على الامام علي

وقد مر أن الحافظ بن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب ، وإن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه ،

ولقوله أيضا فيه انه كان مخذولا ، وانه قاتل للرياسة لا للديانة ،

فمن شاء فليراجع قول ابن حجر في الدرر الكامنة 1 : 114 .

وقد ذكر ابن تيمية في حق علي في كتابه منهاج السنة 2 : 203 مانصه : " وليس علينا أن نبايع عاجزا عن العدل علينا ولا تاركا له ، فأئمة السنة يسلمون أنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا " .

وذكر في نفس المصدر السابق 3 : 156 بعد كلام ما نصه فلا رأي أعظم ذما من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين ، ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم بل نقص الخير كما كان وزاد الشر على ما كان . . . " إ ه‍ .

قوله : ( إنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا ) هذا غير صحيح ، وهو مخالف لما رواه النسائي بالاسناد الصحيح في الخصائص عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " ،

فالناكثين هم الذين قاتلوه في وقعه الجمل ،

والقاسطين هم الذين قاتلوه في صفين ،

والمارقين وهم الخوارج ،

وهذا الحديث ليس في إسناده كذاب ولا فاسق كما زعم ابن تيمية .
 

ثم إن عليا خليفة راشد واجب الطاعة على المؤمنين لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الامر منكم ) .

وقد ذكر الامام أبو القاسم الرافعي محرر المذهب الشافعي : وثبت أن أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة وقد أثبتها الحافظ ابن حجر في

 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 86

تلخيص الحبير 4 / 44 فقال بعد إيرادها : هو كما قال . ويدل عليه : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . . رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني . .

والقاسطين أهل الشام لانهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته .

ومثله ذكر الحافظ في فتحه 13 / 57 وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا بغاة .


وأما قوله : ( إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم ) فهو باطل ، روى الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه والنسائي في الخصائص أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله قال : لا ، قال عمر : أنا يا رسول الله قال : لا ولكنه خاصف النعل - ( وكان علي يخصف النعل ) . فالرسول زكى قتال عليا في جميع الوقائع ، ومن قاتله كان عاصيا ،

ويؤيد هذا الحديث الذي رواه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير : " إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له " فالزبير مع جلالة قدره ظلم ولكنه ندم ورجع .


ثم يرد قوله هذا الحديث المتواتر الذي رواه البخاري : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم للجنة ويدعونه إلى النار : فعمار الذي كان في جيش علي كان داعيا إلى الجنة بقتاله مع علي ، فعلي داع إلى الجنة بطريق الاولى ، وعمار ما نال هذا الفضل إلا بكونه مع علي ، فهو وجيشه دعاة إلى الجنة ومقاتلوهم دعاة إلى النار ،


فلو لم يكن إلا حديث البخاري لكفى في تكذيب ابن تيمية . فكيف يقول إن القتال لا واجبا ولا مستحبا والرسول زكى قتال علي في جميع الوقائع ، وكيف يقول إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم ، وعلي كان داعيا إلى الجنة ومن قاتل معه فله أجر ومن خالفه فهو باغ ظالم .

فائدة في الثناء على علي في حروبه الثلاثة : ذكر في كتاب الفرق بين الفرق ص / 350 - 351 . ما نصه :

 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 87

وقالوا بإمامة علي في وقته وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان .

وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب ، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم - وكان مع أصحاب الجمل - بسهم فقتله .

وقالوا : إن عائشة رضي الله عنها قصدت الاصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة والازد على رأيها وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الامر ما كان .

فائدة ويح عمار بالجر على الاضافة وهو ابن ياسر تقتله الفئة الباغية

قال القاضي في شرح المصابيح يريد به معاوية وقومه انتهن . وهذا صريح في نفي طائفة معاوية الذين قتلوا عمار رضي الله عنه في وقعة صفين وان الحق مع علي رضي الله عنه وهو من الاخبار بالمغيبات يدعوهم أي عمار رضي الله عنه يدعو الفئة وهم أصحاب معاوية الذين قتلوا بوقعة صفين في الزمان المستقبل إلى الجنة أي إلى سببها وهو طاعة الامام الحق ويدعونه إلى سبب النار ومقاتلته .

قالوا وقد وقع ذلك في يوم صفين دعاهم فيه إلى الامام الحق ودعوه إلى النار وقتلوه فهو معجزة للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلم من أعلام نبوته .

وأما قول بعضهم المراد أهل مكة الذين عذبوه أول الاسلام فقد تعقبوه بالرد

قال القرطبي رحمه الله تعالى : وهذا الحديث من أثبت الاحاديث وأصحها ولما لم يقدر معاوية على إنكاره قال : إنما قتله من أخرجه ، فأجابه على كرم الله وجهه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه . قال ابن دحية وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه
 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 88

وحجة لا اعتراض عليها .

وقال الامام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الامامة : أجمع علماء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والاوزاعي والجمهور الاعظم من المتكلمين والمسلمين أن عليا كرم الله وجهه مصيب في قتاله لاهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل وان الذين قاتلوه بغاة ظالموا ، له لكن لا يكفرون ببغيهم .


وقال الامام أبو منصور في كتاب الفرق في بيان عقيدة أهل السنة اجمعوا أن عليا كرم الله وجهه كان مصيبا في قتال أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة وأهل صفين .


وقد روى البيهقي في السنن الكبرى 8 / 174 بالاسناد المتصل الى عمار بن ياسر قال : لا تقولوا كفر اهل الشام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا .


وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 15 / 290 بروايات . وفي إحداها : ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق ، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه .

تنبيه ليس من سب الصحابة القول ان مقاتلي علي منهم بغاة لان هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين ، وقد روى البيهقي في كتاب الاعتقاد ص / 196 بإسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال : " . . . وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ على هذا عهدت مشايخنا ، .


وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي رحمه الله " انتهت بحروفها ، فلا يعد ذكر ما جاء في حديث البخاري سبا للصحابة إلا ممن بعد عن التحقيق العلمي فليتفظن لذلك . ثم هل نترك كلام عمار الذي ورد أن الجنة تشتاق إليه ، ونتبع كلام زائغ جاهل ؟ وأما من يعارض هذا الحديث المتواتر بمثل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :
 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 89

" إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " فهو بعيد من التحقيق بعدا كبيرا لان هذا لم يثبت ، فكيف يحتج به في معارضة حديث ثابت متواتر فقد روى حديث " ويح عمار " أربعة وعشرون صحابيا .


ومرادنا من هذا الكلام تبين أن عليا هو الخليفة الواجب الطاعة ، وأن مخالفوه بغاة ، فكيف يقول هذا السخيف أنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا .

وأنه لم يحصل للمسلمين فيه مصلحة لا في دينهم ولا دنياهم . فهذا فيه مخالفة للاحاديث التي أوردناها أليس هذا ذما بعلي .


وراجع كلام ابن تيمية في منهاجه ص 202 من الجزء الثاني يقول فيها : وعلي رضي الله تعالى عنه كان عاجزا عن قهر الظلمة من العسكرين ولم تكن اعوانه يوافقونه على ما يأمر به ، واعوان معاوية يوافقونه ، وكان يرى ان القتال يحصل به المطلوب فما حصل به الا ضد المطلوب . . . إلى أن قال : فائمة السنة يعلمون انه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ . إ ه‍ .


وانظر الصحيفة 204 من الكتاب السابق يقول فيها : فان قال الذاب عن علي : هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة فقد ثبت في الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار رضي الله عنه " تقتلك الفئة الباغية ) وهم قتلوا عمارا فههنا للناس


اقوال : منهم من قدح في حديث عمار ، ومنهم من تأوله على ان الباغي الطالب وهو تأويل ضعيف ، واما السلف والائمة فيقول اكثرهم كابي حنيفة ومالك واحمد وغيرهم لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية " إ ه‍ .


اقول : السؤال في هذا الكلام صحيح منطبق على مذهب اهل الحق ، اما جوابه - اي ابن تيمية - عنه فههنا للناس اقوال الى آخره فاسد وكذب ، فهل يسمي لنا القادحين في حديث عمار .
 

 

فهرس الكتاب