التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 125

الرسالة الثانية نقد الاجتماع والافتراق في مسائل الايمان والطلاق للمؤلف السابق

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 127

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فهذه مؤاخذات على التصنيف الصغير الذي عمله ابن تيمية في مسألة الطلاق وسماه بالاجتماع والافتراق في مسائل الايمان والطلاق ، لاني تكلمت على كلامه قبل ذلك ولكن أنبه على المواضع التي في هذا التصنيف بحسب الاختصار والله الموفق .

قوله ان صيغة قوله : الطلاق يلزمني لافعلن كذا يمين باتفاق أهل اللغة فانها صيغة قسم .

قلت كيف يدعي اتفاق أهل اللغه على ذلك ولا تعرف هذه الصيغة وردت في كلام أهل اللغة ولا سمعت من عربي لا في نظم ولا في نثر ،

وقوله : وهو ايضا يمين في عرف الفقهاء ولم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا .

قلت : قد تكلمنا عليه فيما مضى من كلامنا وبتقدير صحته لا يلزم حمل كلام الشارع على عرف الفقهاء ما لم يعلم وجود في زمنه صلى الله عليه وسلم ،

وقوله ان منهم من غلب جانب اليمين فلم يوقع به بل قال عليه كفارة يمين .

قلت : هذا القول لا أعرف أحدا صرح به من سلف ولا من خلف وأما اقتضاء كلام ابن حزم في كتابه المصنف في الاجماع فقد تكلمت عليه فيما مضى من الكتاب المسمى بالتحقيق في مسألة التعليق التي ستكتب بعد هذا ، وقوله ان الحلف بالطلاق إنما عرف عن التابعين ومن بعدهم . فقد تكلمنا عليه في التحقيق .

وقوله ان التعليق الذي قصد صاحبه الحلف حكمه


 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 128

حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء .

أما أن يريد في كونه يسمى حلفا أو في تساوي أحكامهما فان أراد الاول فقد تكلمنا في التحقيق وان اراد الثاني فممنوع وسند المنع من وجوه : منها انهم لم يختلفوا ان التعليق صريح واختلفوا في " الطلاق يلزمني " هل هو صريح أو كناية ،

ومنها أنه لا يجد أحدا من الفقهاء سوى بين الصيغتين بمعنى أنه يقول أما أن يقع الطلاق فيهما أو لا يقع فيهما بل أكثرهم سوى بينهما في الوقوع ومنهم من يفرق ، والحكم بالوقوع فيهما الذي من لازمه التسوية فيه ليس حكما بالتسوية بالتفسير المتقدم حتى يستنتج منه عدم الوقوع فيهما الذي هو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء ، ومن أراد اشباع القول في ذلك فعليه بالتحقيق مع اختصاره ،

وقوله : أنواع الايمان ثلاثة ، 1 - بالله ، 2 - لله ، 3 - أن يعقدها بغير الله أو لغير الله .

قلت : الاقسام أربعة الاول بالله لله كقوله : والله لاتصدقن ، الثاني بالله لغير الله كقوله والله لاسرقن ، الثالث بغير الله لله : كقوله : والكعبة لاتصدقن ، ويدخل في هذا : ان فعلت كذا لاتصدقن أو فعلي الحج ، الرابع بغير الله لغير الله كقوله : والكعبة لاسرقن ولدخل في هذا القسم : ( ان فعلت كذا لاسرقن أو فهو يهودي أو نصراني

فالقسمان الاولان منعقدان يجب فيهما الكفارة ،

والثالث فيه مثالان : أحدهما القسم الصريح كقوله والكعبة لا ينعقد ولا يلزم به شئ ، والثاني : ان فعلت كذا فعلي الحج أو الحج يلزمن لافعلن كان القياس يقتضي أنه لا يلزم كالاول إذا كان القسم الصريح لا يلزم به شئ لكنه لما لم يكن في الصيغة الثانية تعظيم لغير الله بل التزام مجرد فارق قوله والكعبة وما أشبهه فان فيها تعظيم غير الله فلذلك أبطل أثرها ،

وأما الصيغة الثانية فليس فيها إلا التزام مجرد والشخص متمكن من الزام نفسه بدليل النذر المطلق ونذر التبرر والضمان فقد التزم شيئا ليس فيه تعظيم غير الله وليس منهيا عنه وهذا المأخذ اعوص وأقرب وعليه أكثر السلف أعني من اعتبار ذلك وأنه يترتب عليه حكم لكنهم اختلفوا في المترتب فمن قائل وجوب الوفاء بما التزم لما أشرنا إليه من أنه التزم شيئا ليس فيه


 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 129

تعظيم لغير الله فلا مانع من اعتباره كنذر التبرر ،

ومنهم من رأى أن الملتزم لذلك لم يقصد التزامه تقربا إلى الله تعالى بل إنما قصد ذلك ليمنع نفسه مما حلف عليه أو غيرها ،

والنذر الذي حكم الشرع بوجوبه انما هو فيما يقصد التقرب فلا يجب عليه هنا الوفاء ويتخلص منه بكفارة يمين لانه مشبه باليمين من حيث كونه منع نفسه بالتزام شئ ليس فيه تعظيم غير الله ،

وأما قوله في آخرها : أنه حلف حقيقة على الحج مثلا . فرده أن السلف والخلف يطلقون في مثل ذلك أنه حلف بالحج وحلف بالعتاقة حلف بالصدقة فيمن قال : ان فعلت كذا فعلي حج أو عتاقة أو صدقة ولو كان الامر كما يقول لكانوا يقولون حلف أن يحج أو يتصدق أو يعتق وهم لا يقولون إلا حلف على هذا الفعل بالحج وما أشبهه وذلك هو الذي يفهمه الذين يحلفون فالفعل المقصود منه هو المحلوف عليه والحج مثلا هو المحلوف به ويسمونه إذا فعل ذلك الفعل حانثا ،

ولو كان كما يقول لم يكن حانثا إلا بترك الحج وما أشبهه فهو نادر حقيقة لكنه غير داخل في قوله صلى الله عليه وسلم " من نذر أن يطيع الله فليطعه " لان من نذر على وجه الحلف ليس قصده الطاعة وان كان قصده المشي على تقدير المخالفة لانه قصد المشي له جهتان :

احداهما أن يكون امتثالا للامر وذلك هو الطاعة وهو مفقود هنا

والثاني : ان يكون لغرض آخر كما ههنا فانه إنما قصده ليكون مانعا له من الفعل فإذا لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " من نذر أن يطيع الله فليطعه " فلا يجب وان كان مقتضى كلامه أنه أوجبه على نفسه لانه ليس كل ما أوجبه الانسان على نفسه يجب عليه الا بإيجاب الله تعالى ففيما إذا كان المقصود الطاعة أوجبه الله تعالى عليه فوجب

وههنا ليس المقصود الطاعة ودخل في قوله كفارة النذر كفارة يمين وفي قوله تعالى ( يوفون بالنذر " فإذا فعل ذلك الفعل فقد ترتب المنذور في ذمته ولا يجب عليه وفاؤه عينا بل له أن يسقطه بالكفارة ،

وقد بسط ذلك أكثر من هذا في التحقيق ، وقوله ان من حلف بغير الله مثل أن يحلف بالطواغيت أو بأبيه أو بالكعبة أو غير ذلك من المخلوقات انها يمين غير محترمة فلا تنعقد ولا


 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 130

كفارة فيها باتفاق العلماء . يرد عليه في ايجابه الكفارة في الطلاق والعتق وأما حكمنا نحن بانعقادها فانها ليست في معنى ما اتفقوا على عدم انعقادها لانه ليس فيها تعظيم غير الله بخلاف الحلف بالطواغيب وأبيه والكعبة ،

وقوله في المعقودة لله : فيما إذا كان مقصوده التقرب لا الحلف إلى آخره . يقتضي وجوب الكفارة في كل نذر وليس كذلك فان نذر التبرر لا خلاف فيه انه لا يجب فيه الكفارة ، وادراكه الحلف بالطلاق والعتاق في القسم الثاني من اليمين المعقودة لله أن الحلف بالطلاق يفين معقودة لله وفيه نظر فان قوله معقودة لله أن أريد بها التقرب لله فاليمين بالطلاق ليس كذلك

وان اريد به ان التزم بها شيئا يجب لله تعالى كالحج والصدقة فليس كذلك لان الحالف بالطلاق ليس مقصوده أنه إذا حصل الحنث يجب عليه الطلاق والعتاق فقالوا في الاول كفارة وفي الثاني يلزمه ما حلف عليه ،

هذا وان كان قول الجمهور ولكن لم يقولوه بهذه العبارة وليس مأخذهم كون هذا تحريما وإيجابا ولو كان ذلك مأخذهم لزمهم أن يقولوا به في كل تحريم كما قال : ان فعلت كذا فامرأتي أو أمتي حرام وهذا الطعام علي حرام فيحرم إذا وجد الشرط ، وهذا لم يقل به أحد بل مأخذهم أن هذا وقوع وذلك التزام والاول مفوض إلى العبد نصب سببه تنجيزا وتعليقا وحتى وجد سببه لا يتأخر عنه

والثاني ليس مفوضا إليه مطلقا بل على وجه خاص وإذا وجد سببه وترتب في الذمة يمكن سقوطه بخلاف الاول ، واستدلاله بالايات والاحاديث الدالة على تكفير الايمان ودعواه انها شاملة لهذه اليمين ممنوعة ،

وقوله ان هذه داخلة في ايمان المسلمين وايمان البيعة ودعواه انه لا يعلم فيها نزاعا فاعلم أن قولنا ايمان المسلمين وايمان البيعة انما صارت يدخل فيها الطلاق والعتق من زمن الحجاج فانه زادها في ايمان البيعة وصار يحلف المسلمين بها واشتهرت من ذلك الوقت فإذا نواها الحالف دخلت وان لم ينوها لا تدخل ولولا ذلك دخلت اليمين بالطلاق والعتاق فيها نوي أو لم ينو بالايهام بكونها من ايمان المسلمين لا يفيد ومما يبين ذلك أن قول القائل ايمان المسلمين اما


 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 131

أن يراد بها ما شرع للمسلمين الحلف بها أو ما يتعارف المسلمون الحلف به وجرت عادتهم به فان أريد الاول فاليمين بالطلاق والعتاق لم يشرع للمسلمين الحلف بها بل هي منهي عنها بقوله صلى الله عليه وسلم " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وان اريد به ما يتعارفه المسلمون وجرت عادتهم بالحلف به فاليمين بالطلاق والعتاق لم تجر عادة المسلمين في الصدر الاول ولا في زمنه صلى الله عليه وسلم بالحلف بهما وهو قد سلم فكيف يقول انها داخلة في ايمان المسلمين ويحتج بعرف طارئ بعد النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعين سنة ،

ثم ان سياق الايات الكريمة في معرض ايجاب الكفارة في الايمان لا في معرض تبيين ما يجب فيه الكفارة من الايمان وأنها من ايمان المسلمين دون ايمان غيرهم ، وقد قال تعالى ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ) وهي أعم

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من حلف على يمين " والخطاب وان سلم أنه للمؤمنين خاصة فيدخل في حكمه كل مكلف لعموم شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أحد فكل مكلف بر أو فاجر يدخل في حكم هذ الخطاب ،

ولكن تبين بدليل آخر ان الايمان التي لا حرمة لها لا يجب فيها كفارة فعلمنا خروجها من الايات والحديث بالادلة الخاصة ،

وقد كان المسلمون يحلفون بآبائهم حتى نهوا وقد قال تعالى ( والليل ) ( والضحى ) ( والشمس )

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " افلح وأبيه ان صدق " وهو سيد المسلمين ، قوله : وأما من جهة المعنى فهو ان فرض الكفارة لئلا يكون الايمان موجبة أو محرمة لا مخرج منها فلو كان من الايمان ما لا كفارة فيه كانت هذه المفسدة موجودة قلنا : لا نسلم وجودها لان تلك المفسدة على تقدير مخالفة اليمين ارتكاب معصية الله من فعل محرم أو ترك واجب وقد تدعو الضرورة إلى مخالفة اليمين فشرعت الكفارة لذلك والمفسدة هنا وقوع الطلاق فليس فيه معصية

وان كان فيه مفسدة أخرى لكن المعصية اشد عند المسلم من كل مفسدة دنيوية والمفسدة على تقدير المحافظة على اليمين مشتركة لا نسلم ان هذه المفسدة وحدها هي الملاحظة بل المجموع الذي هو موجود في اليمين بالطلاق والعتق فان

 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 132

قلت : ففي نذر اللجاج لم حلت الكفارة ؟

قلت لانه حصل فيه ايجاب ويحصل بتركه المعصية فلو لم تشرع فيه الكفارة لكان بمنزلة اليمين قبل شرع الكفارة لحصول العصيان على تقدير ترك ما التزمه فهو أشبه باليمين من تعليق الطلاق والعتق الذي لا معصية فيه البتة .

وقوله : ان الله نهاهم أن يجعلوا الحلف بالله مانعا لهم إلى آخره .

قلت : الذي فهمته من كلام السلف في قوله ( ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ) أن المنهي عنه الحلف لاجل هذا الغرض وعليه ينبغي أن يحمل ما ورد عنهم مما ظاهره خلاف ذلك ذلك فكيف يجعل الحالف بالبقاء على اليمين جاعلا الله عرضة ليمينه هذا مما ينبو الفهم عنه وكلام الصحابة والتابعين المعتمد على تفسيرهم ليس فيه تصريح به بل يفهم منه ما قلته أولا والله أعلم ،

وقوله في الايلاء إلى آخره

قلنا لا نسلم دخول الحالف بالطلاق في لفظ الاية بل في حكمها بالقياس ولو سلمنا وقوله تعالى ( فإن فاءوا فان الله غفور رحيم " والله اعلم فيئة مقصودة للزوجة وهي متعذرة هنا وليس في الاية ان كل مول يمكن أن يفئ هذه الفيئة الخاصة ولو سلمنا ذلك فالمرأة إذا تحققت انها متى وطئت يقع الطلاق عليها يكره صحبته وان كانت راغبة في الوطء فيحصل مقصودها وأما ان كانت غير راغبة في الوطء وتكتفي بمجرد الصحبة فلا تطلبه ،

والفيئة انما تكون بعد الطلب والتعرض له ، وقوله انه على هذا التقدير فلا فائدة في التأجيل بل التعجيل إليها . قلنا : التأجيل ليس لاجلها بل لاجله فيمهل هذه المدة التي لا تضر بالمرأة ثم تطالب بعد المدة دفعا لضررها " وأما أن التأجيل شرع لنفع المرأة فلا .

وما ذكره من فتوى الصحابة فيمن قال : ان فعلت كذا فعبيدي أحرار قد حصل الكلام عليه في " التحقيق " وفيه كلام طوبل لا يحتمل ذكره هنا والامام أحمد لم يثبته وتقريره أن هذه ايمان محضة وقد تقدم التنبيه على شئ منه وقد ذكرت أنا قريبا منه في " التحقيق " قبل أن أقف


 

التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني - جماعة من العلماء ص 133

على كلامه فيه ولكن بينه وبين كلامه بعض المباينة وهو أنني إنما أجعله بوجود الشرط في نذر اللجاج صار بمنزلة الحالف مثلا وصيرورته كذلك ليس من مقتضى كلامه بل الشرع نزل منزلته ، وأما مقتضى كلامه فالتزام التزمه لا غير ،

وأما ابن تيمية فظاهر كلامه هذا ان يجعله مقتضى كلامه الحلف لا النذر ،

وأما احتجاجه بقوله : ان فعلت كذا فهو يهودي وما أشبه فقد أجبت عنه في " التحقيق " وكذلك قياسه على قوله : ان فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي وقوله ان المعلق للطلاق ملتزم لوقوعه

وقوله بعد ذلك ان من عقد اليمين لله فهو أبلغ ممن عقدها بالله ولهذا كان النذر أبلغ من اليمين وقد بينا أن الحلف بالطلاق ليس عقد يمين لا بالله ولا لله بل هو عقد يمين لغير الله وهو الطلاق على فعل قد يكون لله وقد يكون لغيره وسلوكه به مسلك النذر هو أصل ما بني عليه وحصل له منه الاشتباه وبينهما من الافتراق بون عظيم ولم يوجب له هذا الشغب الكثير الا تسويته بينهما ولا يستويان والله تعالى يلهمنا رشدنا بمحمد وآله ،

كتبت ذلك مختصرا جدا بحسب الراغب فيه ولانه قد تقدم الكلام بما يغني وذلك بكرة نهار الاربعاء عشري شهر رمضان سنة ثماني عشرة وسبعمائة نفعني الله بها والناظر فيها بمحمد وآله .

كتب علي عبد الكافي السبكي انتهى . نقل من خط من نقله من خطه .
 

 

فهرس الكتاب