|
الدور المزدوج للتشظي في الصراع العربي ـ الصهيوني ـــ
د.خير الدين عبد الرحمن
كانت بداية الانطلاق التنظيمي للصهيونية المعاصرة فكرة
انتشرت في بعض أوساط يهود أوربا الشرقية والوسطى، لم تلبث أن تحولت إلى
فلسفة تمخضت خططاً ومؤسسات وبرامج عمل أثبتت نجاحها.
ملخص الفكرة أن النجاحات الفردية اليهودية التي تمثلت
في عشرات الآلاف من أصحاب الثروات والمواقع البارزة واللامعين في حقول
العلم والفن، ربما تشكل مؤشراً إلى مايفجره شعور العزلة أو الخوف من
اضطهاد الغالبية غير اليهودية للأقلية اليهودية من طاقات إبداع وحوافز
نهوض وتقدم، لكن تلك النجاحات لم تفرض على العالم أن يحترم اليهود
جميعاً،، حتى لو احترم بعض النماذج اليهودية للنجاح. بالتالي، دعت تلك
الفكرة إلى عمل جماعي من أجل تشكيل "أمة" يهودية تنتقل بالنجاح من
حالات فردية متفرقة إلى حالة جمعية شديدة الفاعلية، تتمكن آخر الأمر من
فرض إرادتها على العالم والهيمنة على مساراته.
نبتعد عن الجدل حول مدى صحة بروتوكولات حكماء صهيون.
وهذا جدل اندفع اليهود في كل مرة إلى محاولة مزدوجة تعمقه من ناحية،
بعد تأجيجه في اتجاه "يجزم" بأن تلك البروتوكولات موضوعة افترتها
وألفتها أجهزة المخابرات في روسيا القيصرية، ولاستثماره من ناحية ثانية
باختلاق "انطباعات يقينية" بتمايز اليهود وعبقريتهم وتفردهم بمواهب
وطاقات لا تتوفر لسواهم، تكرسياً للهلوسات المثيولوجية المحركة للعقل
السياسي الصهيوني،، والمتمحورة حول خرافة أن اليهود "شعب الله
المختار". ليس ابتعادنا لمجرد أن الجدل بهذا الشأن صار ممجوجاً وعقيماً
بعدما تجسد واقعنا المعاصر، في منطقتنا خصوصاً وعلى الصعيد العالمي
عموماً، بما يطابق ما دعت إليه تلك البروتوكولات وشددت على تحقيقه،
تطابقاً مذهلاً، رغم أن الغالبية الساحقة ممن اطلعوا على تلك
البروتوكولات لدى انتشارها قبل نحو مائة سنة وقد اعتبروا ما دعت إليه
وتعهدت بإنجازه أضغاث أحلام، وتبجحات واهمة مريضة، إننا نبتعد عن هذا
الجدل لسبب إضافي هو حرصنا على التخفيف من الغرق في أسر الماضي
والتركيز على الانطلاق من الراهن في محاولة التأثير على ماهو قادم
والتحكم بفعله فينا. على الرغم من هذا، فإن استخلاص العبر والدروس من
ذلك الماضي يجعلنا ننصح بعودة خاطفة إلى ماجاء في تلك البروتوكولات حول
واحدة الفكر والتخطيط والعمل والحصاد اليهودي، في مقابل زرع التشرذم
والانقسام والفرقة في المجتمعات الأخرى لتدميرها وشل فاعليتها.
مثل هذه العودة الخاطفة كفيلة بتفسير ماقد تم لاحقاً من
ترتيبات دولية كان الدور اليهودي محركاً رئيساً لها، ابتداء باتفاقية
سايكس وبيكو وسازونوف، وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية
في 10/5/1916 بشأن تقسيم المشرق العربي وتفتيته كيانياً ومجتمعياً، وهي
اتفاقية نسبت لاحقاً إلى مارك سايكس، وجورج بيكو دون سازونوف الذي
شاركهما في الإعداد والتوقيع على تلك الاتفاقية، لأن سقوط روسيا
القيصرية بعد شهور، وقيام النظام البلشفي البديل بفضح تلك الاتفاقية،
قد طمس الدور الروسي فيها وأنهاه. كذلك الأمر بالنسبة لاتفاق لويد جورج
وكليمنصو في 15/9/1919 ومقررات مؤتمر سان ريمو الذي عقد بين 24
و27/4/1920. وهذه كلها ترتيبات مهدت لتصريح بلفور ودعمت تنفيذه وتكاملت
معه، فذلك التصريح الصادر في 2/11/1917 ملزم بريطانيا بدعم ورعاية
الاغتصاب الصهيوني لفلسطين يتكامل عضوياً مع كل ماتلاحق من إجراءات
لتفتيت العرب أرضاً وأمة ومصيراً، لمنعهم من حيازة الأدوات القادرة على
تحويل أمتهم إلى ذات حضارية حرة مستقلة فاعلة، وإبقائهم شظايا مستباحة
ومفعولاً بها.
إن ما صرح به جون كيلي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي
الأسبق، مع انتهاء حرب الخليج الثانية في ربيع العام 1991، يختزل الهدف
النهائي الذي سعت إليه الجهود الأوروـ أمريكية في منطقتنا على امتداد
القرن العشرين. لقد قال كيلي آنذاك: "انتهى عصر العرب. لقد زال العرب
من الوجود. من يريد المحافظة على حياته من العرب أمامه بوابة وحيدة هي
التخلي عن عروبته"(1)
.
إن الحديث واضح هنا عن إلغاء العروبة هوية وانتماء تحت
طائلة التهديد بإلغاء مادي، في ظل نموذج التدمير الهائل الذي ألحقته
حرب الخليج الثانية بالعراق، وأرادت الولايات المتحدة أن تجعله نموذجاً
قابلاً للتكرار والتجديد، بحيث يردع العديد من البلدان الأخرى.
لم يكن الجهر بإلغاء العروبة والعرب،، بعد شل فاعليتهم
ومسخ انتمائهم، سوى نتيجة منطقية للجهر بمنع العرب من ممارسة الحد
الأدنى من مقتضيات وحدة الانتماء ووحدة الالتزام ووحدة المصير.
فالمستشرق اليهودي الأمريكي المتعصب لصهيونيته برنارد
لويس، مثلاً، لم يتردد في تلك المرحلة في التشديد على ضرورة "تخلي
العرب"، رسمياً عن حلم القومية المتعلق بدولة عربية موحدة، أو حتى
بكتلة سياسية متماسكة"(2)
.
جاء إصرار برنارد لويس حتى على "تخلي العرب عن الحلم"،
تتويجاً لما سبق أن تراكم من "إسهاماته"، التي كان أبرزها توصيته
المدعمة بخرائط مفصلة مقترحة يتم بموجبها تمزيق العراق وسورية ومصر
وليبيا والسودان وبلدان أخرى، وهي التوصية التي أقرها الكونجرس
الأمريكي سنة 1983، وتضمنت ضرورة "تحويل كل قبيلة في شبه الجزيرة
العربية إلى دولة"(3)
. لقد انطلق برنارد لويس في دعواته المحمومة المتكررة إلى مزيد من
التمزيق والتفتيت للعرب ـ أرضاً وأمة ـ من خلال دور مناط به، لا يستره
التقنع بالموضوعية العلمية، على نحو ما افتضح أكثر في كتابه الأخير
"الهويات المتعددة للشرق الأوسط ـ ص The Multiple Identities of The
Middle East " الذي جعل محوره تكريس صورة مهشمة للعالم العربي باعتباره
موزاييك من دول / أمم منفصلة منتافرة لا تزال قيد التكوين.
إنه صدى لنفس الصوت الذي تردد فحيحه في مجلة "كيرونيم"،
التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، والتي تحدثت في عددها لشهر
شباط فبراير) 1982، مثلاً عن مناخ مواتٍ لشطر وحدة مصر السياسية "بين
دويلات إسلامية في الشمال ودولة قبطية في الجنوب"، باعتبار هذا التشطير
"هدفاً ينبغي أن نعبئ من أجله كل قوانا على مدى السنوات المقبلة".
كذلك تحدثت عن ضرورة تجزئة السودان وسورية والعراق،
مشدد خاصة على "تقسيم العراق الذي يمثل بإمكاناته البترولية وبقوته
العسكرية الناشئة خطراً مباشراً على إسرائيل"(4)
، لتنتهي إلى تأكيد أن إعادة رسم خارطة المنطقة طائفياً واقتصادياً
وسكانياً هو الهدف الصهيوني الطموح "الذي لا مساومة عليه"! كذلك هو صدى
لنفس الصوت الذي وثّقه مشروع لتقسيم الكيانات الجغرافية العربية
وتفتيتها، مركزاً بشكل خاص على تقسيم كل من سورية والعراق ومصر
والسعودية والجزائر، كذلك المشروع الذي صدرت وثيقته عن مركز الأبحاث
السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية سنة
1970، ثم تكرر جوهره في كتاب عنوانه "الأقليات في الشرق
الأوسط"، أصدرته رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي سنة 1985. إن كل ماسبق
تكرار وتجديد لدعوات قديمة شكلت واحداً من أبرز أ هداف ومبررات الغزوة
الصهيونية لفلسطين، على نحو ما كتب كادمي كوهين مثلاً في كتابه المعنون
"دولة إسرائيل" الصادر قبل عشرين سنة من قيام تلك الدولة عشرين سنة من
قيام تلك الدولة فعلاً، وتحديداً في العام 1929،، إذ شدد أنه "إذا
أرادت السياسة الأوروبية أن تتحرر من العقبات الكؤود التي ترهق
مستعمراتها ينبغي لها أن تسعى إلى تفكيك الهوية التي تتحرك ضدها، والتي
تجمع بين المفهوم العربي والمفهوم الإسلامي. وعندما تحطم آلية التشابك
الموجود بين هذين المفهومين فتفتت الوحدة الإسلامية، وتفتت الهوية التي
تجمع بين الإسلام والعروبة، تستطيع أن تجعل الضفة الغربية للبحر الأبيض
المتوسط واجهة آسيا المطلة على العالم الغربي ورأس جسر أوربا نحو آسيا
الكبرى.
لعل ذروة إخفاقنا في التصدي الفاعل لخطر ثابت متعاظم
يتهدد مصيرنا ويصر على إلغاء إرثنا الحضاري والثقافي وتحطيم جوهر ذاتنا
الحضارية ومنع انبعاثنا وتقدمنا، كانت في انسياقنا إلى فخ التلاقي غير
الإرادي مع العديد من مخططات ذلك الخطر وأهدافه. أبرز ما نشير إليه هنا
هو الإسهام الإيجابي والسلبي في تكريس تجزئة أمتنا وتمزقها، والاكتفاء
بصب اللعنات على التجزئة وشجب الانقسام والتحذير من التشتت، في موازاة
ممارسات تعزز الانكفاء والتشظي وتفتعل "قدسية"، لكل مزقة من المزق
الكيانية التي افتعلها مبعوثو المخابرات البريطانية والفرنسية المكلفون
بالتمهيد للجائحة الصهيونية في منطقتنا منذ أوائل القرن العشرين. كذلك
كان الوقوع المريع في فخ افتعال التصادم مابين العروبة والإسلام،
ومابين الوطني والقومي، بحيث مضينا إلى حالة من التشظي المتوالد
ذاتياً، وصولاً إلى تشظي الفرد ذاته بين الشعارات والتطبيق النقيض لها،
بينما كان الغزاة يفرضون خرافتهم قانونياً يحكم العالم ويلزمه بالإسهام
في افتراس أمتنا وتكبيلها وإجهاض انبعاثنا. لقد تواكب التشظي العربي مع
توحيد جهود غزاة من نحو مائة دولة، ينتمون إلى عشرات الثقافات
المختلفة،، ويتحدثون بنحو مائة وعشرين لغة متباينة، ويلتزمون ببرنامج
محكم الحلقات، يحسن فرض التحالفات واستثمارها إلى الحد الأقصى، ليتقدم
بثبات نحو تحقيق أهدافه،، بينما كان علينا نحن الضحايا أن نستسيغ
افتعال الذرائع والتفسيرات التي تبرر تراجعاتنا وتنازلاتنا وتآكل
مواقفنا واضمحلال إرادتنا وخفة تأرجحنا مابين الأهداف المعلنة
والممارسات النقيضة.
لا ينفصل واجبنا في حماية إرادة الحياة لدينا من
التدمير الذي تمارسه الآلية القطرية المترتبة على التجزئة السياسية،
والتي تيسر بالضرورة تنامي التبعية للهيمنة الخارجية وتفشي الطائفية
والمذهبية والعشائرية والفردية والنزعة الانكفائية واللا مبالية، عن
واجب يتكامل معه ويتمثل في جعل التصدي للغزوة الصهيونية واجباً يومياً
وعادة طبيعية على المستوى الفردي وعلى المستوى الجمعي، بغض النظر عن
المواقف الرسمية لحكومات مختلفة، بمعادلات وإرادات دولية خارجية.
إذا كان التشظي العربي الراهن الذي كرسته أوساط حاكمة ـ
ربما بأكثر مما حلم سايكس وبيكو ـ يدعو إلى الإحباط، فإن التصدي لهذا
التشظي يحتاج إلى وعي بحقيقة الطرف الآخر صاحب المصلحة الكبرى فيه، أي
الغزوة الصهيونية، فما افتعل من توحيد وتماسك للأدوات البشرية
والمؤسساتية لهذه الغزوة.لم يعد قادراً على إخفاء خللها البنيوي وتشظي
مجتمعها. كان المؤرخ الفرنسي الكسندر أدلر قد أكد أن "إسرائيل ليست
دولة واحدة، وإنما هي مجموعة دول تتمحور حول مجتمعات متنافرة كلياً،
تربط بينها علاقات ملتبسة قابلة للاشتعال في أية لحظة، بحيث قد تتحول
الحرب الباردة بين القوى المختلفة في إسرائيل إلى حرب ساخنة في أي
وقت". يتذكر المرء على الفور ـ وهو يتابع تقييم الكسندر أدلر لراهن
إسرائيل ـ رواية الكاتب الإسرائيلي الشهير عاموس كنعان المعنونة
"الطريق إلى عين حارود" ـ التي صدرت قبل نحو خمسة عشر عاماًـ والتي
توقع فيها انقلاباً عسكرياً تعقبه حرب أهلية إسرائيلية، نتذكر كذلك ما
قاله المؤرخ آرون ألتمان، المتخصص في التاريخ اليهودي، في مطلع أيار
مايو) 1996 من أن "انزلاقاً قد حدث في العقل اليهودي منذ ولادة
إسرائيل، لقد أصبح الجنرالات هم الآلهة الآن. إن إسرائيل تتجه نحو
الانفجار أكثر فأكثر، بعدما بدأ مجتمع الدم يأخذ شكله الأخير... لقد
أصبحنا أقوياء إلى الدرجة التي تخيفنا نحن فقط"!.. ألم يتساءل الجنرال
أفيغدور بنفال مذعوراً: "ترى هل سنخوض ذات يوم حرب شوارع أهلية
نووية؟".. ألم يصور نعوم تشومسكي، المفكر اليهودي الأمريكي، واقع
إسرائيل في مطلع العام 2000 بقوله: "إن اللاوعي في الدولة اليهودية هو
مخزن للسلاح".. وأن "من يحولون إسرائيل إلى قاعدة عسكرية عملاقة فوق
واقع صغير إنما يدفعونها حتماً إلى الموت، "إن أكبر عدو لإسرائيل هو
أمريكا"(5)
. ألم يعترف ناحوم غولدمان، الرئيس الأسبق للمنظمة الصهيونية العالمية،
في أواخر عمره بأن إسرائيل التي أسهم إسهاماً بارزاً في إقامتها
وتقويتها هي "الدولة الوحيدة التي تتغذى من الوهم، لا من الحقيقة
التاريخية"..
وإن "عدم اليقين حالة إسرائيلية بامتياز"؟...
لقد رد أوري سافير الأمر إلى أن السقف النووي وحده هو
الذي يحمي إسرائيل حالياً بعدما تصدع "سقفها اللاهوتي". وكان الحاخام
عوفيديا يوسف، زعيم حركة شاس، أكثر وضوحاً عندما قال: "إنني أصاب
بالذعر إزاء الانحسار الدائم والمتزايد للارتباط بالتوراة، ولذلك لابد
من العمل على تهويد اليهود"! وهذا ما رآه الحاخام يسرائيل آيخلر، رئيس
تحرير مجلة همحانيه هجريري الدينية الأسبوعية أيضاً، لقد قال بوضوح:
"نحن نظرياً شعب واحد. وعملياً، نحن لسنا شعباً عامة؛ إذ ليس ثمة أساس
للشعب اليهودي كشعب. ليست لدينا لغة واحدة، ولا عقلية واحدة، ولا منشأ
واحد. والأساس الوحيد الذي أبقى اليهود لآلاف الأعوام هو الإيمان
بتوراة سيناء بوصفه دستوراً ملزماً. ومنذ اللحظة التي بدأ التشكيك
بدستورية التوراة فيها، باعتبارها الدستور الوحيد الملزم، بدأ الشعب
ينشطر إلى شعوب عديدة ومتعددة.. الصهيونية أيضاً لا توحد الشعب كله.
وهكذا بقينا من دون دين ومن دون قومية كعنصر توحيد". لقد رأى أن خليط
الشعوب اليهودية القاطنة أرض فلسطين، "يتسالم أحدها إلى جانب الآخر لا
أحدهما مع الآخر"، ثم ذهب يقرر "إنه ليس للدولة، كجسم مستقل، أي
معنى.... للشعب معنى كبير في نظري وأريد أن يعود الشعب فيصبح
يهودياً... السلطة هنا غير محددة، إنها سلطة تتحدث باسم اليهودية لكنها
ليست سلطة يهودية... أنا أصلي من أجل أن لا تنشب هنا حرب أخوة، إذ أن
المنتصرين لن يكونوا المتدينين ولا العلمانيين، وإنما العرب"(6)
.
ندع الحاخامات ونلتفت إلى تقييم العلمانيين
الإسرائيليين الراهن كيانهما الغازي، فنجد شلومو بن عامي، وزير الأمن
الحالي، يقول ـ وهو بالمناسبة مؤرخ معروف: "ثمة تفتيت في المجتمع
الإسرائيلي يبعث على القلق؛ إذ ينمو هنا مجتمع مجزأ يتكون من أقليات
كثيرة، ليس الجمهور الحريدي إلا إحداها. وخلافاً لما يجري في المجتمع
الأمريكي، فإننا لم نجد روح الشعب التي تضم الجميع، وهذه مأساتنا".(7)
نذهب أبعد من هذا إلى الكاتب اليهودي البولوني آلان مينك الذي رأى أن
ما احتفظت به اليهودية هو اللعبة الثقافية لا التلمودية ولا التوراتية،
وأن "اليهودية تآكلت أيديولوجياً"، بل إن "اليهودية نفسها استحالت إلى
مؤسسة مالية: هل يتمتع حزقيال بالنفوذ العربي الذي يتمتع به جورج سوروس
[الملياردير اليهودي الأمريكي]؟... العملة الخضراء [الدولار] تحولت إلى
نص [مقدس]. الثقافة الجديدة تبتلع إسرائيل. اليهودي يعيش أزمة هوية
فعلاً... حاخامات المال والسياسة والسلطة مازالوا يستعملون الأساليب
البدائية في محاولة الحفاظ على التماسك في إسرائيل"(8)
.
إن الثغرة الكبرى في عصرنا العربي هو أن الصراع ضد
الغزوة الصهيونية ـ نظرياً ـ تخوض ثلاث وعشرون دولة بثلاثة وعشرين
رأساً وثلاثة وعشرين جيشاً، وثلاث وعشرين سياسة!...
هذا هو العنوان الأكبر لنجاح الغزوة الصهيونية وسره.
لذلك تلازمت حماية الغزاة مع تكريس تجزئتنا. منذ قرأت ما كتبه تيودور
هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية المعاصرة، عن المآل المطلوب للمشرق
العربي شغلتني مسألة رئيسة هي مدى إساهمنا في تحقيق ذلك المآل، بقصد
ومن غير قصد. لقد كتب هرتزل قائلاً: "ما يلزمنا ليس الجزيرة العربية
الموحدة، وإنما الجزيرة العربية الضعيفة المشتتة المقسمة إلى عديد من
الإمارات الصغيرة الواقعة تحت سيادتنا والمحرومة من إمكان
الاتحاد ضدنا"(9)
.
استكمل ديفيد بن غوريون ما لخص هرتزل به فلسفة العمل
الصهيوني تجاه العرب، بقوله ـ بعد ثلاثة أرباع القرن: إن هدفنا هو
تسوير نطاق العزلة حول العرب"(10)
. لكن متابعة خفايا هذه المسألة التي شغلتني، وإعادة تفسير العديد من
مواقف قادة عرب، على ضوء تحاشي الإفراط في براءة افترضت حسن النية وصدق
الالتزام لدى الجميع ذات يوم، قادتني إلى فكرة لا تنقصها البراهين،
خلاصتها أن الحرص الصهيوني على تشظية العرب ـ أمة وأرضاًـ منذ مطلع
القرن العشرين لم يكن مجرد توافق مع القاعدة البريطانية اللئيمة "فرق
تسد"، وإنما كان انسجاماً عميقاً للمشروع الصهيوني مع حقيقة جذرية
التناقض مابين غزوته وضحاياها، باعتباره تناقضاً مصيرياً يحتم صراع
وجود لا ينتهي بغير إلغاء أحد طرفيه.
إن كل مظاهر الاكتفاء الصهيوني بما تم اغتصابه من أرض
عربية، وحتى في إطار الحاجة إلى هدنة لهضم ماتم ابتلاعه من تلك الأرض،
أقنعة خادعة تستهدف غواية مزيد من ممارسي التواطؤ الانتحاري العربي
الذين يستسهلون تصيد أوهام بائسة ساقطة من قبيل الزعم بأن "مايوحد
إسرائيل هي حربها مع العرب، وبالتالي فالسلام معها يؤدي إلى اضمحلالها
من الداخل"، أو من قبيل تصديق أن التسالم بين القاتل والقتيل ممكن وأن
الانتظار يؤدي إلى نضوج تيار سلام إسرائيلي! وهكذا مارس ملوك الانتظار
هوايتهم على أمل انحسار الاحتلال الصهيوني بقناعة ذاتية أو بحسن نية
لدى المحتلين!
وتلاحقت حالات انتظارية من قبيل ترقب فوز شمعون بيريز
الذي لم يتم في انتخابات العام 1996، ثم انتظار نجاح إيهود باراك في
انتخابات العام 19999 المبكرة، والاحتفال الحماسي بذلك النجاح انتظاراً
لخلاص عربي على يدي باراك! بل لم يتوان بعض عشاق الانتظار عن التبشير
بمشروع مشترك يتوحد فيه مصير الغزاة والضحايا، على نمط ماكان من دعوة
ساقطة إلى مزاوجة "العبقرية" اليهودية. المزعومة مع المال العربي، قبل
أن تبتلع حرب الخليج الثانية معظمة.
لقد وصل التشظي العربي إلى نقطة حاسمة يكاد بعدها يأخذ
أحد مآلين: إما أن تتلاشى الأمة بأسرها. إن هاتين النهايتين
المتناقضتين ليستا قدرين، بل يجب إنقاذ الأمة من ثانيهما، ويستدعي
الإنقاذ إنهاء حالة تغييب الأمة وتكبيل طاقاتها ومحاصرة فعلها على
النحو الذي طغى بذرائع مختلفة، فأدى إلى انهيارات عديدة وتراجعات
استراتيجية، لعل أشدها خطراً تكريس حالة التشظي المفتعلة، لقد طال أمد
أوضاع التجزئة والتفتيت، واختلقت لها "شرعيات" وربطت بها مصالح وأدوات
تقاتل دفاعاً عنها، وتدوس مصالح الأمة وآمالها وحقها في وحدتها، بل
تحطم وحدة عقيدة الأمة وفكرها وقيمها ونظمها ومصيرها، وتمسخ شخصيتها
الحضارية، تعزيزاً لدور الغزوة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية التي
استهدفت بشراسة تحطيم وحدة التاريخ في التقاطع الفلسطيني الواصل بين
عرب آسيا وعرب إفريقيا، والإجهاز الاستباقي على أي مشروع نهضوي عربي
حقيقي.
إنها مفارقة صارخة أن تتفاقم التجزئة تشظياً، ثم
تهديداً جدياً باجتثاث جذور الانتماء لأمة خلقها الله واحدة ووهبها كل
مقومات الوحدة وخصائصها، بينما يفتعل تماسك عدوها المباشر الذي يستخدم
في غزوها واغتصاب أرضها والسعي للهيمنة عليها واستباحتها شتاتاً بشرياً
زاخراً بعوامل الاختلاف والتناقض. تزداد المفارقة استفزازاً عندما تخرج
من صفوف الأمة أصوات تردد النشاز الذي بثه الغزاة ورعاتهم، من قبيل
اعتبار العروبة والوحدة العربية: "هو الوهم الكبير، لم يكن حلماً، لأن
الحلم يمكن تحقيقه"(11)
، ناهيك عن أصوات تروج للغزاة علناً سادة للمنطقة، يقبع أصحاب هذه
الأصوات تحت جلد الأمة، وهذه كارثة حقيقية!...
إذا كان نجاح الغزاة قد اعتمد أساساً على الدفع إلى
تفتيت أمتنا وهدر طاقاتها، وقواها، في صراعات داخلية عبثية وتناقضات
بينية مفتعلة، وإلى تأبيد انشطاراتها الكيانية وتشجيع توالدها، فإن
الوقت قد حان لذوبان اللحمة المصطنعة التي ضمنت قدراً فاعلاً من تماسك
الغزاة وتعايش شتاتهم المتباين والمتنافر بطبيعته في الماضي. إن وقفة
عند حديث اسحق شامير، الإرهابي العريق ورئيس الكنيست ورئيس الحكومة
الإسرائيلية الأسبق، الذي أذاعته إذاعة المستوطنين تعقيباً على
الانسحاب الإسرائيلي الذليل من لبنان، ترجح الاعتقاد بأن مرحلة قد
سقطت، وأخرى بدأت تتشكل. قال شامير: "لم يخطر ببالي أن أعيش إلى هذا
اليوم الذي يتم فيه إرغام إسرائيل وجيشها ـ الذي وصفه أصدقاؤنا
وأعداؤنا على السواء بأنه لا يقهر ـ على الفرار أمام بضع مئات من
مقاتلي حزب الله الذين أجبروا أقوى دولة في الشرق الأوسط علىمثل هذا
المشهد الانهزامي. لقد أثبتنا للعرب دائماً عقم محاولاتهم إرغامنا على
التنازل، حيث أنهم هم الذين يتنازلون آخر الأمر في كل مرة. لكن حزب
الله أثبت أن هناك عرباً من نوع آخر. لقد كنت أجالس ديفيد بن جوريون
ومناحيم بيجن، وجولدا مائير وليفي أشكول. كنا جميعاً مؤمنين بأن العرب
لا يستحقون أن نبدي لهم نحن اليهود أنه ليس لديهم ما يهددون به
إسرائيل.
لكن رؤساء الحكومات الأربعة هؤلاء لو نظروا اليوم من
قبورهم، فإني على ثقة من أنهم لن يصدقوا ما يرونه. إني من جيل آمن بأنه
لا يليق بإسرائيل أن تظهر بمظهر الضعيف أمام أعدائها في هذا الشرق
الإسلامي، لكن يبدو أنا خرجنا من تلك المرحلة، وعلينا أن نهيئ أنفسنا
لمزيد من المواقف المهينة"(12)
عرب من نوع آخر، وبالتالي بدء مرحلة الهزائم والمهانة. هذا ما استخلصه
اسحاق شامير. أما الذي استخلصه الجنرال رافائيل إيتان، رئيس أركان
الجيش الإسرائيلي الأسبق، الذي لعب دوراً هاماً في تصعيد العدوان على
لبنان والقمع ضد الفلسطينيين، فهو أكثر وضوحاً. قال إيتان: "إن انتصار
حزب الله الكاسح على إسرائيل يحمل في طياته عواقب وخيمة جداً على
مستقبل إسرائيل وإمكانية بقائها بسلام. لقد أعطى حزب الله الدليل على
أن القوة هي اللغة الوحيدة التي تجبر إسرائيل، على تقديم التنازل...
القوة فقط... هذا خطير لأنه سيدفع المزيد من العرب إلى سلوك نهج حزب
الله. لا أريد أن أكون يائساً، لكنني أعتقد جازماً أن إسرائيل بعد
انتصار حزب الله ليست هي إسرائيل التي عرفها العرب في الماضي، إن إذعان
إسرائيل لحزب الله يصيب الأنظمة العربية بالحرج الشديد. فهذه الأنظمة
تقول لشعوبها أنه لا سبيل للحصول على حقوق العرب إلا بالتفاوض، لكن ما
ثبت وتأكد الآن أن إسرائيل لا تقدم التنازل إلا لمن يضربها بشكل أقوى
وأقسى"(13)
..
أي عربي يملك التهاون في اعتبار تصديه شخصياً للتشظي
المفتعل بعقليته وأدواته ومخالبه المغروزة في رقبة أمتنا واجباً يومياً
دائماً لـــه، بعدما يتمعن في قراءة شامير وإيتان للانسحاب الإسرائيلي
من لبنان؟ تبجح صهاينة بأن القرن الحادي والعشرين سوف يكون إسرائيلياً
مثلما كان القرن التاسع عشر بريطانياً، ومثلما كان القرن العشرون
أمريكياً! وتحدث الصهيوني الفرنسي البارز جان دانيال عن "بدء الأيام
التوراتية في الشرق الأوساط"، مع الانهيار الكارثي الذي بدأ بزيارة
السادات للقدس. لكن الدورة اكتملت على مايبدو، فلا الانتصار يملك أن
يظل احتكاراً صهيونياً، ولا الهزيمة تملك أن تظل قدراً عربياً. يعتمد
الأمر إلى حد بعيد على سرعة وقف فاعلية التشظي المفتعل في صفوفنا،
وتفعيل التشظي الطبيعي في صفوف العدو .
(1) الاستشهاد في : ميشيل
كيلو، الشاهد، قبرص،،، العدد 113، كانون الثاني يناير) 1995، ص 73.
(2) Foreign Affairs Fall
. 1993
(3) في: صالح زهر الدين،
مشاريع صهينة الوطن العربي، استراتيجيا)،، بيروت، العدد 106، أيار ـ
حزيران.
(4) في عبد العال
الباقوري، الاتحاد، أبو ظبي، 3/2/2000.
(5) مقابلة مع أورينت
برس، الاتحاد، أبو ظبي، 7/1/2000.
(6) ملحق يديعوت أحرونوت
بمناسبة رأس السنة العبرية، 13/9/1996، ص 26/28.
(7) المصدر السابق.
(8) آلان مينك، حوار مع
أورينت برس، الاتحاد، أبو ظبي، 31/12/1999،.
(9) في غريغوري
بونداريفسكي، الخليج العربي، دار التقدم، موسكو، 1981ـ ص 134و.
(10) هآرتس، 4/9/1973
(11) د. محمد الرميحي ،
العربي،، الكويت، العدد 395، تشرين الأول أكتوبر) 1991ـ ص 10.
(12) في :د.محمد علي
الفرا، الانتصار في الجنوب اللبناني....، الاتحاد، أبو ظبي، 3/6/2000.
(13) نفس المصدر
السابق.
|