الوصية الأخلاقية

لآية الله العظمى الشيخ محمد تقي آل الفقيه قدس الله نفسه 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد واله الطاهرين .

 أما بعد ..

 فهذه وصية المدبر عن دار الفناء ، المقبل على دار البقاء ، الغافل عن الطاعات ، المنهمك في طلب الراحة ، يكتبها امتثالاً لأمر الله تعالى سبحانه ، طلباً لإقباله ورضاه ، ويشكره على ما أمره به ، وأرشده إليه من الإيصاء بما ينفعه ، والإقرار بما عليه ، فان في ذلك تداركاً لما فاته وتخفيفاً لما حمله ، وتقليلاً للنزاع ، وهي نعمةٌ تُعادل نعمة الوجود ، فإنَّ قبول ذلك بعد الموت ، حياةٌ ثانية بالمعنى ، فله الحمد وله الشكر وإليه المصير ، وأسأله أن يشملني بلطفه وعفوه ، وان يجنبني عدلَه ، فان العفو لا ينافي العدل ، والصدقةُ على الضعيف تؤكد الإحسان والرحمة ، وتشير إلى السماح والكرم .

ثم إن أول ما أُشهدُه عليه :

أنني أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، كما يريد أن أشهد ، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه (ص) ، وأن علياً خليفتُه من بعده ووصيُّه ، وأن الحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرية الحسين عليهم الصلاة والسلام أئمة الحق وأنوار الهدى  والأدلاّء إلى الله ، والصابرين على البأساء والضراء ، في سبيل إعلاء كلمته وهداية الخلق ، وأنني أُشهد أن كل ما جاء به نبينا محمد ( ص ) وبلّغه أوصياؤه البررة هو حق لا  ريب فيه . وإنني أشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله وأوصيائهم والصالحين من عباده على ذلك ، وأُخصُّه ( تعالى اسمه ) والملكين الحافظين عليّ ، بهذه الشهادة ، وأسأله وهو الرحمن الرحيم أن لا يُحوجني لأداء هذه الشهادة ، وأن لا يطالبني بما لَهُ عليّ يوم ألقاه ويوم أبعث حياً ، ويوم يقوم الناس للحساب ، ويوم الفصل ، أسأله ذلك بلا دالَّةٍ ولا استحياءٍ ، لأن لطفه عندي محسوسٌ وملموسٌ في قليل الأمور وكثيرها ، وصغيرها وكبيرها ، فكيف يخذل عبده في العظائم مع تساوي قدرته بالنسبة لجميع المقدورات على اختلافها ، وكيف يبخل بما لا يتعاظمه مع الإلحاح في السؤال ، وإليه أفوِّض أمري فهو حسبي ونعم الوكيل .

ثم أنني أوصي بنيّ وبني أخوتي وبني عمومتي وسائر أرحامي .. أوصي كبيرَهم بالرفق في صغيرهم ، وعاقلَهم بتحمل جاهلهم ، وخيِّرَهم بملاطفة فاسقهم ، إلا إذا كان تقريبه يستوجب تماديه ، فيتعين الابتعاد عنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتسقط حقوقهم الرحمية .

وإنني أوصي جميع أرحامي وإخواني المؤمنين بتعلُّم العلوم الدينية ، فان فيها شرف الدنيا والآخرة ، والسعادة في العاجل والآجل ، وقد درسنا الأوضاع في الحاضر ، وتأملنا التاريخ في الغابر ، فرأينا المجد والفخر ومحبة الناس وانقيادهم ، للعلماء وذراريهم أكثر منه لأهل الدولة والسلطان ، وما أعدّه الله لهم في الآخرة أرفع وأعظم وأوفر واكثر ، والعلوم الدينية إنما تكون سبباً للسعادتين إذا كانت مقرونةً بالتقوى والصلاح والعقل ، وإلا  فهي شقاءٌ في شقاءٍ ، أعاذنا الله وجميعَ المؤمنين من همزات الشياطين .

أقول هذا مع أنني أعتقد بأن العلم الديني يضمن الإخلاص لحامله ، وبأن من لم يُخلص لم يُكتب له التوفيق ، ولن يُمْهِلَه اللهُ سُبحانه ، وإنني أوصيهم أيضاً إذا بلغ أحدهم درجة الاجتهاد ، أن يصحبوا بعض أهل الرياضة والسلوك ، وتطبيق بعض إرشاداتهم ، من الاستمرار في الكون على الطهارة ، والاستعداد دائماً للدعاء والمناجاة والخشوع في غير ضعة ، وخفة البطن بأن لا يكون بهيمة ، همَّته أن يُسمن بدنه ، ويملأ كرشَه ، وأن لا ينهمك في شهواته الحيوانية ، فيكون كالحمير والقردة ، ليس لهم همٌّ إلا هذه الأمور ..

وبالجملة إن تطبيق بعض إرشاداتهم بعد ملاحظة الموازين الشرعية ، بمعنى عدم قبول قولهم المجرد عن الحجة الشرعية ، وعدم ترتيب أثر كل رواية مع قطع النظر عن معارضتها وعن معناها المحقق ، وعدم ترتيب الأثر على المحظورات الذهنية وملزوماتها من المشاهدات ، أقول إن تطبيقها بعد ملاحظة الموازين الشرعية له أثر عظيم في كشف الحقائق ، وإدراك النشأة الأخرى ، وهي لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد خطرٌ عظيمٌ ، ووبالٌ على الدنيا والدين ، فان أهل البيت ( ع ) يبلِّغون عن الله ما يوصلُ إليه ، فعلى الرياضيين المحاكمة بين النصوص ، ثم تطبيق سيرة الأئمة ( ع ) العملية على أقوالهم ، وملاحظة الأشخاص والأحوال ، والاستعانة بالله على ذلك كله .

والحمد لله رب العالمين .