[ درس 16 ]
تفسير تاريخ البشرية
بداية تاريخنا ـ نحن المسلمين ـ يوم خلق الله تعالى آدم، وقال للملائكة: {فإذا سوّيتُهُ ونفَختُ فيهِ من رُوحي فقَعُوا لهُ ساجدِين}.
(الحجر/29)ونهاية تاريخنا ـ نحن المسلمين ـ {يومَ يجمعُ اللهُ الرُّسلَ فيقولُ ماذا أُجبتُم..}.
(المائدة/109)إن هذا التاريخ الذي نغور في أعماق ماضيه السحيقة، ونستشرف مجاهل مستقبله البعيد: هو تاريخنا ـ نحن المسلمين ـ الذين آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .. واتبعنا الرسول (ص).
إن هذا التاريخ ليس مجرد أحداث توافرت لها أسباب معينة صدفة فأفرزت نتائج عفوية، تحكمت فيها ظروف الزمان والمكان.. فهذه دعوى تتسم بالسطحية، وتفتقر الى التجريد العلمي، وتفتقد التعليل الأصيل.
إن هذا التاريخ بكل ما حفل به، وما يحفل به إن هو إلا:
صراع بين دعوتين: دعوة الله.. ودعوة الطاغوت.
ونزاع بين موكبين: موكب المؤمنين.. وموكب الكافرين.
واصطدام بين منهجين: منهج الإسلام.. ومنهج الجاهلية.
شواهد من القرآن:
إن القرآن يزخر بالشواهد على وحدة معالم ركب المهتدين.. ووحدة ملامح زمر الضالّين، عبر التاريخ:
فدعوة السماء واحدة عبر التاريخ {وَما أرسلنا مِن قَبلكَ من رسولٍ إلا نوحي إليهِ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ أنا فأعبُدونِ}.
(الأنبياء/25)* ودعوة الأنبياء والرسل واحدة عبر التاريخ:
{فإلهُكم إلهٌ واحدٌ فلهُ أسلموا..}.
(الحج/34)* وموقف الجاهلين واحد عبر التاريخ:
* ـ تكذيب: {فإن كذّبوك فقد كُذب رُسل من قبلك..}.
(آل عمران / 184)* ـ استهزاء: {ولقد استهزئ برُسل من قبلك..}.
(الأنعام/10)* ـ مكر ووقيعة: {قد مكر الذين من قبلهم..}.
(النحل/26)* ـ وابتلاء المؤمنين واحد عبر التاريخ: {أم حسبتُم أن تدخُلوا الجنّةَ ولما يأتكم مثل الذينَ خلوا مِن قبلكم مسّتهمُ البأساءُ والضراءُ وزُلزِلُوا..}.
(البقرة/214)* ومنهج تربية المسلمين وتأهيلهم للجهاد واحد عبر التأريخ:
{.. كُتبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتب على الذينَ من قبلكُم..}.
(البقرة/183)بل أن شهر رمضان شهر واحد أُنزل فيه القرآن، كما أُنزلت فيه أيضاً صحف نوح وابراهيم والتوراة والإنجيل.
* ووعد الله المؤمنين بالنصر واحد عبر التاريخ:
{..ليستخلفنَّهُم في الأرضِ كما استخلفَ الذينَ مِن قبلِهم..}.
(النور/55){سُنَّةَ اللهِ التي قد خلت مِن قبلُ ولَن تجدَ لسنّةِ اللهِ تبديلاً}.
(الفتح/23)كيف نقرأ تاريخنا:
ونحن المسلمين .. لا نقرأ تاريخنا إلا بشمولية تضم بين دفتيها تأريخ البشرية جمعاء.
فلا نقرأ التاريخ حدثاً حدثاً، بل نقرأه حلقات من سلسلة واحدة، يحكمها قانون واحد، لا تنفصم فيه المقدمات عن النتائج.
ولا نقرأ التاريخ باعتباره وقائع استوفت شروط عليتها فوقعت وتلاشت.. بل نقرأه باعتباره ساحات معاركنا، ومشاهد التحام جحافلنا، بقيادة الأنبياء والمرسلين والمصلحين، في مواجهة أعداء الله ورسله وأنبيائه.
ولا نقرأ التاريخ منظوراً إليه بصورة دائرية، تبدأ أحداثه من نقطة وتنتهي إليها، ثم يعود فيعيد نفسه.. بل نقرأه باعتباره تياراً حضارياً صاعداً، تنتصر فيه دائماً وأبداً قيمنا التي حدد إسلامنا معاييرها، وتزدهر فيه مبادئنا التي بشّرت بها رسالاتنا.
ولا نقرأ التاريخ لتتشنج أعصابنا جزعاً لوقائعه الباكية، أو تهتز أعطافنا طرباً لمشاهده الضاحكة.. بل نقف إزاء كل فصوله موقف المتأمل للأسباب والنتائج، المتفكر في الظروف والملابسات، باعتباره معين فكرنا، ومصدر الهامنا، ومورد الاعتبار والتدبر.
ولا نقرأ التاريخ منبتَّ الصلة عن واقعنا الحاضر، أو منفصلاً عن مستقبلنا.. بل نقرأه باعتباره منهلاً نروي به ظمأ الحاضر.. وزيتاً نوقد منه شموع المستقبل.
يا أُمة محمد (ص):
انها معركة واحدة بين أنوار السماء التي جاءت بها رسالات الأنبياء، فكان فيضها: الأمن والرخاء.. وبين ظلمات الأرض التي تكشفت عنها المذاهب الجاهلية فكان قيحها: الرعب والشقاء.. بدأت يوم قتل قابيل وحتى يوم القيامة.
إن أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) يكشف عن هذه الحقيقة.. حقيقة وحدة الأُمة المسلمة عبر التاريخ.. ووحدة مسارها عبر التاريخ.. ووحدة دعوتها عبر التاريخ. يقول عليه السلام:
(ولقد وعظتكم بما وعظ به الأنبياء أُممهم من قبل..).
ومنه يتبين أن منهج الله تعالى واحد، وإن تعددت فصوله، ومنهج الجاهلية واحد، وإن تلونت صوره.. وأن عباد الله المؤمنين ركب واحد، وان توارثوا أجيالاً بعد أجيال: شعارهم التوحيد، ولباسهم التقوى، وعملهم الخير والهداية والإصلاح.. وأن عبدة الطاغوت سنخ واحد، وإن تشكلت مسوخهم قرناً بعد قرن، قطعوا كل صلة بالله تعالى، وانصرفوا الى الشر والتضليل والافساد.
وأن الناس صنفان: أعمى وبصير.. فأي الصنفين أهدى: {أفَمن يَمشي مُكبّاً على وجههِ أهدى أمَّن يمشي سوياً على صراطٍ مُستقيم}.
(الملك / 22)