[ درس 19 ]
حتمية انتصار المسلمين
شيوع الفكر المادي في الساحة الإسلامية أدى الى بلبلة المفاهيم، مما أثر الى حدّ على سلوك الناس، إذ السلوك غالباً ما يكون ترجمة لما يحمل الإنسان من مفاهيم فكرية.
ومفهوم النصر، من المفاهيم التي التبس أمرها على قسم من أبناء الإسلام، بل وعلى بعض المتحمسين لدعوته المباركة، الأمر الذي أدى الى اختلافهم في أحكامهم ومواقفهم، إزاء الأحداث الجارية والمشهودة في عالمنا الإسلامي.
فالبعض يظن أن النصر: هو تحقيق الأهداف الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية.. أو نحوها، مما يسعى إليه المجاهدون.. فإذا بلغوا هذه الأهداف فهم منتصرون، وإلا فهم منهزمون!.
وهذا فهم قاصر، لانغماسه في الحسابات المادية البحتة.
والبعض الآخر يتوهم أن النصر هبة إلهية، يمنُّ الله بها على من يشاء من عباده، من غير اشتراط الاستحقاق لهذا النصر، أو الاستعداد والتهيؤ له!! وهذا فهم خاطئ لأنه مخالف لسنة الله {ليسَ بإمانِيّكم ولا أمانيّ أهلِ الكتابِ}.
(النساء/123){وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قُوةٍ}.
(الأنفال/60)ولكن، في إطار الصراع بين المؤمنين وأعداء الإسلام قد يستفحل الكفر، وقد ينتصر الظلم، وقد يظهر البغي والفساد.. فأين نصر الله؟
النصر: قد يكون مبدئياً، وقد يكون واقعياً.
النصر المبدئي
فيكون المسلم منصوراً نصراً مبدئياً حين يسعى لتنفيذ أوامر الله ونواهيه.. في جميع ما جاءت به الشريعة.. في جميع الظروف والأحوال.. في جميع الأوقات والأماكن.. لما لديه من إمكانات.
وبعبارة أُخرى، يكون المسلم منصوراً نصراً مبدئياً حين يكون "قائماً" بأمر الله، لا من القاعدين.. "ساعياً" للدفاع عن المبدأ، لا من الخاملين المخلّفين.. "شاهداً" أحداث الأُمة، لا من المنطوين على أنفسهم، ولا الضالين.
فحسب المسلم نصراً أن "يحمل" الرسالة الإسلامية للناس، أما هدايتهم فأمرها بيد الله تعالى.. وحسبه نصراً أن "يعمل" على إصلاح المجتمع، أما صلاحه فأمره بيد الله تعالى.. وحسبه نصراً أن "يقاوم" الظلم، أما زواله فأمره بيد الله تعالى.. وحسبه نصراً أن "يكافح" لاسترداد ثروات الأُمة المنهوبة، أما ردها فأمره بيد الله تعالى.. وحسبه نصراً أن "يجاهد" لإقامة حكم الله في الأرض، أما قيامه فأمره بيد الله تعالى.
وميزة هذا النصر أنه "حتمي" يتحقق لمجرد سعي المسلم، أياً كانت النتائج الواقعية التي يتمخّض عنها سعيه وجهاده..، وميزته أنه "إرادي مقدور" فكل مسلم يستطيع تحقيقه، وتجنب الهزيمة، والاستعلاء على الخيبة والخسران
، وميزته أن المسلم يستطيع احرازه حتى لو وقف أعداء الإسلام بكامل قواهم لقتاله وحربه:{قُل هل تربّصونَ بنا إلا إحدى الحسنَيينِ
؟}. (التوبة / 52)النصر الواقعي
النصر الواقعي هو الفوز المشهود الذي يحرزه المسلم في عالم الواقع، في مضمار إعلاء كلمة الله لتكون هي العليا..
فيكون المسلم منتصراً حين يحقق "في الواقع" مكسباً سعى إليه في سبيل الله، أو ينال هدفاً جاهد من أجله، وفي هذه الحالة يحرز المسلم كلتا الحسنيين، نصراً مبدئياً، ونصراً واقعياً.
إلا أن النصر الواقعي يتوقف على "الإعداد المادي، والإمداد الإلهي".. إعداد العدّة، وطلب النصر من الله تعالى، وهذا ما كان يفعله رسول الله (ص)، في جهاده مع الجاهلية الأُولى، وهذا ما يلزمنا في جهادنا مع الجاهلية الحديثة..
والإعداد المادي يستلزم استنفار كل طاقات المسلمين، وتنسيق قواهم البشرية والمادية والروحية، بحيث تمتلئ نفوسهم عزيمة وحيوية وإيماناً وثباتاً، وتنطلق جوارحهم بذلاً وعطاءً، وقوةً ومضاءً.. مع تجريد النية لله تعالى، وعقد الثقة المطلقة به سبحانه.
كما يستلزم ـ الإعداد المادي ـ البصيرة في تشخيص الباطل، والقدرة على تعريته، والمصابرة على تكذيبه وتعذيبه، ومجابهة مكره وكيده وعناده.
فإذا علم الله صدق نية المجاهدين في سبيله، وثبات عقيدتهم، وتحرر نفوسهم، وشوقهم الى لقائه، وحنينهم الى نعيمه.. عندئذ يتوفر لهم الإمداد الإلهي.. فيبطش الله بالمجرمين بطشته الكبرى ويحقق النصر المؤمنين:
{.. فانتَقمنا منَ الذينَ أجرموا، وكانَ حقّاً علينا نصرُ المؤمنينَ}.
(الروم/47)يا أُمة محمد (ص):
إن الله تعالى وعدنا بالنصر في هذه الحياة الدنيا {إنّا لننصرُ رسلَنا والذينَ آمنوا في الحياةِ الدنيا}.
(غافر/51){واللهُ أعلمُ بأعدائكم، وكفى بالله ولياً وكفى باللهِ نصيراً}.
(النساء / 45)إلا أن الانتقام من أعداء الإسلام، من الكافرين والظالمين، قد يتأخر، في حساب الناس، ولكن الله تعالى يمهل ولا يهمل، {فلا تَعجَل عَليهم إنَّما نَعُدُ لهم عدّاً}.
(مريم/84)وإن نصرة المؤمنين والمظلومين قد تبطؤ لحكمة بالغة يراها الله تعالى، أو لخير عميم ادخره لهم، أو ليعلم الثابتين منهم على عقيدتهم، الصابرين على آلامهم، والموفين بعهدهم، الصادقين في تضحياتهم، لتكون هذه الصفوة المؤمنة حريصة على حماية النصر المرتقب، الذي لم تنله إلا بالدماء الزكية، والأرواح الطاهرة، وتكون قادرة على تحمل أعبائه في إقامة الحق، وبسط العدل، ونشر حرية العبادة، وإشاعة الخير بين الناس، وتحريرهم من عبودية الطواغيت، وقطع دابر الفتنة والفساد في الأرض:
{.. ولينصرنَّ اللهُ من ينصرهُ إنَّ اللهَ لقويٌ عزيزٌ. الذينَ إن مكنّاهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ، وأمرُوا بالمعروفِ ونهوا عن المنكرِ ولله عاقبةُ الأُمورِ}.
(الحج/40 ـ 41)