[ درس 28 ]
الهجرة والقرآن المهجور
بسم الله الرحمن الرحيم
من حقائق الهجرة:
قال تعالى:
{والذينَ هاجَروا في الله من بَعدِ ما ظُلموا لَنُبَوّئَنّهُم في الدنيا حَسنَةً ولأجرُ الآخرة أكبَرُ لو كانوا يعلَمون}.
(النحل/41){والسابقونَ الأولونَ من المُهاجرينَ والأنصارِ والذينَ اتبعوهُم بإحسانٍ رضيَ اللهُ عنهم ورَضوا عنه}.
(التوبة/100){إن الذينَ آمنوا والذينَ هاجَروا وجاهدُوا في سبيلِ الله أُولئكَ يرجونَ رحمة الله واللهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
(البقرة/218){والذينَ آمنوا وهاجَروا وجاهدُوا في سبيلِ اللهِ والذينَ آوَوا ونصروا أُولئكَ هُمُ المؤمنون حقاً لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ}.
(الأنفال/74){الذين آمنوا وهاجروا وجاهَدُوا في سبيلِ اللهِ بأموالِهم وأنفسِهم أعظمُ درجةً عند الله وأُولئكَ هم الفائزونَ}.
(التوبة/20)الهجر: ضد الوصل.
والمهاجرون: هم الذين قاطعوا قومهم وأهليهم، وفارقوا أرضهم ومنازلهم، وتركوا أموالهم وذراريهم، فراراً بدينهم، واقتداءً بنبيهم، وابتغاء لمرضاة ربهم، بعد ما ظلمهم المشركون، وقاطعوهم وعذبوهم، وبخسوهم حقوقهم.
هاجروا بأرواحهم ونفوسهم إلى الله تعالى، وبأجسادهم إلى المدينة المنورة، رغم الشرك السائد، والوثنية المتفشية.
غادروا أوطانهم وديارهم، وما ملكت أيمانهم، وتحمّلوا المشقة والعناء، من أجل نصرة رسالة التوحيد، والتخلي عن عبادة الأصنام، مع قلة العدد، وكثرة العدو، ومع ما للمال من أهمية، وللعشيرة من عصبية، في الفكر الجاهلي السائد آنذاك.
فقد اجتمع في (دار الندوة) أربعون رجلاً من مشركي العرب، لتدبير أول مؤامرة على الإسلام العظيم، واستقرّ مكرهم على اختيار خمسة عشر رجلاً، أحدهم أبو لهب، على أن يدخلوا على رسول الله (ص)، فيقتلوه، ويقضوا على الدين الإسلامي، فأوحى الله تعالى إلى رسوله الكريم (ص):
{وإذ يمكُرُ بكَ الذينَ كفروا ليُثبِتوكَ أو يقتلُوكَ أو يُخرجوكَ}.
(الأنفال/30)فما كان من رسول الله (ص) إلا أن نادى الإمام علي بن أبي طالب (ع)، قائلاً:
(افدني بنفسك).
قال (ع): (نعم يا رسول الله). قال له (ص): (نم على فراشي والتحف ببردي)، فنام علي (ع) في فراش رسول الله (ص)، والتحف ببرده، وجاء حبرائيل إلى رسول الله (ص)، فقال له: اخرج، فخرج رسول الله (ص)، والقوم يرون فراشه وعلي نائم فيه، ورسول الله (ص) يقرأ:
{وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يُبصرون}.
وبدأ الرسول المصطفى (ص) مسيرة الهجرة المباركة، وانسلخ الناس من الجاهلية فغادروا دار الشرك، وملأ الإيمان قلوبهم فهاجروا إلى دار الإسلام، واستقبلهم أهل يثرب، ونصروهم وأكرموهم، وحقق المسلمون إيمانهم بالهجرة والنصرة، فكانوا مهاجرين إلى الله، وأنصاراً لدين الله، وتحققت النقلة الإيمانية الكبرى في تاريخ الإنسان.
الاحتفاء بالهجرة:
وتمضي الشهور بأيامها، والقرون بأعوامها، ويطل علينا القرن الخامس عشر للهجرة المباركة.
وكأنّ خير الخلق، ورسول الحق، الحبيب محمداً (ص) طلع علينا بوجهه الكريم. يتفقد أحوال أُمتّه، بمناسبة ذكرى هجرته الميمونة؛ فما عساه أن يرى؟
إن أفضل ما سيراه صاحب الرسالة السماوية (ص): مصاحف مطبوعة، جاهزة للتوزيع، لمجرد التلاوة والترتيل، محكوم عليها بالتعطيل والإهمال!!
إن أفضل ما سيجده نبي الهدى والرشاد (ص): مساجد مشيدة، ولكن سعى أدعياء الإسلام في خرابها، وصنّفوها إلى صنفين:
مساجد لتمجيد الحكام الظلمة، فيها علماء سوء، يسبّحون بحمد الطواغيت بكرةً وعشياً، أو يتحدثون عن دم بعوضة!! وعدد مسامير سفينة سيدنا نوح (ع)!!
ومساجد أحاط بها جلاوزة الأمن، يحصون أنفاس المؤمنين، ويكتبون ما يلفظ الأئمة فيها من قول، ويرفعون عنهم التقارير، في جو إرهابي فظيع.
إن أفضل ما سيشاهده رسول الرحمة (ص): احتفالات حاشدة، تصدّرت فيها الكروش المترهّلة، والرقاب الغليظة، ممن لا يحملون من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، وهم يلقون الخطب الحماسية الماكرة، ويتلاعبون بالألفاظ، ويلهبون المشاعر، وإلى جانب هذه المراسم الشكلية، مئات السجون الداجية، والزنزانات الدامية، لا تسمع فيها إلا أزيز السياط اللاهبة على ظهور عباد الرحمن، وهم لا يملكون إلا هتاف:
الله أكبر.
أحد أحد، لا نعبد إلا إياه ولو كره الكافرون.
وكأن رسول الله (ص) ينادي:
يا أدعياء الإسلام:
أنتم تحتفلون بذكرى هجرتي!!
فأين أنتم مني؟!
لقد دخلتُ (الطائف) قبل الهجرة، فقعد لي المشركون صفّين، وأنا أدعوهم إلى الإسلام، وكنتُ لا أرفع قدماً ولا أضع أُخرى إلا ويرضخوني بالحجارة، حتى أدموا رجليَّ، فخرجت منهم ورجلاي تسيلان دماً، وأنتم في قصوركم المشيدة، تحميكم في بلادكم!! قواعد الكفار العسكرية، وتحرسكم السفن والطائرات الحربية.
أين أنتم مني!!
كنت أعرض نفسي على قبائل العرب في كل موسم أسألهم أن يؤووني ويمنعوني مما يراد بي من القتل، حتى أُبلغّ رسالة الله لأهل الأرض، وأنتم تحيطون أنفسكم بزمر القمع والإرهاب، ليمنعوا كراسيكم من السقوط، حتى تنالوا آخر شهواتكم، وتبلغوا نهاية أوطاركم من الملذات.
هذا قبل الهجرة، وأما بعد الهجرة:
فأول ما قمتُ به، آخيت بين المهاجرين والأنصار، فنزع الله ما في قلوبهم من غل، وأصبحوا بنعمة الإسلام إخواناً، وتشابكت قلوبهم، فكانوا خير أُمة أُخرجت للناس.
وفتحوا قلوب الناس، وحرروا أمصارهم، وصحّحوا عقائدهم وعمّروا ديارهم، وأنتم مزّقتم أمتي كل ممزق، ناوأتم كل مؤمن كريم رفيع، ومالأتم كل كافر مهين وضيع، وأوردتم شعوبكم آسن المبادئ الكافرة، وأحللتموهم كل مرعى وبيل.
يا أدعياء الإسلام، ماذا عليكم لو اتقيتم الله رب العالمين، ولو بمقدار رهبتكم من رئيس أية دولة من الدول الشيطانية الكبرى التي تحالفونها؟
ماذا عليكم لو فكّرتم، ساعة واحدة، في العدل الذي تتغنون به، والظلم الذي تعانيه شعوبكم، في الحرية التي تتمشدقون بها، والإرهاب الدموي الذي يطبق على بلدانكم، في مفهوم الوالي الذي تولّيتم صلاحياته، وما تمارسونه من اضطهاد وتنكيل بحق شعوبكم، بدل الرعاية والحماية، وتوفير السعادة والرفاه لهم، وتدبير أُمور دينهم ودنياهم؟
ماذا عليكم لو كنتم أسياد أنفسكم لا عبيداً لغيركم، وملكتم القدرة على (اتّخاذ القرار) الصادر إليكم من رب العزة بتحكيم شرع الله، بقدر ما لديكم من طواعية لـ(تنفيذ القرارات) الصادرة إليكم من طواغيت الأرض؟
ماذا عليكم لو تركتم تخدير الجماهير وتغريرها، في احتفالاتكم بذكرى هجرتي، واطّلعتم على جوع فقراء شعوبكم، وآلام البائسين والمستضعفين منهم وما يعانونه من محن وشدائد، وبأساء وضراء وكوارث وحرمان؟
ماذا عليكم لو صرفتم سمعكم ـ ساعة واحدة ـ عن مديح المغنّيات وثناء الفجار، في دور إذاعاتكم، وقرأتم مصير أي طاغية من الطواغيت السابقين، ونهاية أي مستكبر من المستكبرين؟
ماذا عليكم لو نزعتم عن أعينكم نظّارة النفاق الذي يكال لكم، والدجل الذي يحيط بكم، واطلعتم من نافذة الحقيقة المرة، على واقعكم، لتروا أين أنتم مني؟!!
يا أدعياء الإسلام: ألم تعلموا أن قطرة دم مسلم تُراق بغير حق أعظم عند الله من زوال السماوات والأرض، فهل استرعت أسماعكم المجازر التي تُقترف، في كل مكان، بحق حملة الرسالة الإسلامية، ولو بقدر اهتمامكم بالمباريات الرياضية، والدورات الأولمبية؟!!
أين أنتم مني ومن هجرتي، يا أدعياء الإسلام؟ لقد مررت ـ ليلة أُسري بي ـ على اُناس تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟
فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
يا أدعياء الإسلام: إن شر الناس يوم القيامة، حاكم ظالم لقومه، وعالم كاتم لعلمه، أُولئكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
سلام عليك يا رسول الله:
إنهم يريدون منا أن نكفر بك، وبرسالتك الغراء، وندين بالولاء لـ (كارل ماركس) أو (آدم سميث)، أو تلامذتهما!! ونحن مصرّون على الإيمان بك، والتصديق بنبوتك، والتمسّك بشريعتك، والكفر بالجبت والطاغوت.
* ـ إنهم يريدون منا أن نعتبر الإسلام مرحلة تاريخية، وتحفة أثرية، ونحن مصرّون على أن يظل الإسلام:
بداية حياتنا، أمس، وقضية جهادنا، اليوم، ونظام حياتنا، غداً، إن شاء الله.
*ـ إنهم يريدون منا أن نجعل الإسلام إحساساً داخلياً، وشعوراً باطنياً، ونحن مصرّون على حمل الإسلام:
شعلة تنير حياة الشعوب، في الدنيا.
وصراطاً إلى جنة النعيم، يوم القيامة.
*ـ إنهم يريدون منا أن نؤدي أركان الإسلام شكليات بلا محتوى، وعناوين بلا موضوعات، فالصلاة حركات رياضية، والحج طقوس كهنوتية، والصوم جوع وعطش، ونحن مصرّون على الإيمان بالإسلام:
عقيدة، تُبنى عليها كل التصورات والمفاهيم.
وفكراً، ينبض بالحياة والحركة والنور.
وتشريعاً، ينظّم المجتمع والمواقف.
وقراراً، يحسم كلّ المشاكل والوقائع.
ورقيباً، يحاكم السلوك: الفرد، والأُسرة، والحكومة، والمجتمع العالمي.
ـ إنهم يريدون منا أن نتمزّق شيعاً، ونتفرّق أحزاباً، ونحن مصرّون على الاعتصام بحبل الله المتين، وتوحيد صفوفنا تحت لواء التوحيد.
ـ إنهم يريدون منا أن نرجع القهقرى، ونعود الى جاهليّتنا الأُولى: ننادي بقطعة أرض خطّها الاستعمار، ونتعصّب للنعرات القومية والعنصرية والعشائرية والطائفية، ونحن مصرّون على أن نظل يداً واحدة، وملّة واحدة، وأمة واحدة، أكرمنا عند الله أتقانا.
ـ إنهم يريدون منّا أن نكون رهباناً في المساجد الإسلامية!! أو قروداً راقصة في الشوارع، أو نأكل ونتمتع كما تأكل الأنعام، ونحن مصرّون على أن نظل مجاهدين في ساحة الشرف والكرامة، نحيا سعداء في ظل الإسلام، أو نلقى الله تعالى مضمّخين بدمائنا، شهداء الإسلام.
ـ إنهم يريدون منّا أن لا نتعصّب للإسلام، ونحن مصرّون على أن نعضّ عليه بالنواجذ، ونحيطه بقلوبنا، وليقولوا عنّا (متعصّبين).
يريدون منا أن لا نتشدّد في رفض الغزو الثقافي الكافر، ونحن مصرّون على وقاية جيلنا، وتحصين حضارتنا من كل دعارة وسقوط وانهيار، وليسّمونا (متشدّدين).
يريدون منّا أن نساوم، ولا نتصلب في حماية ثرواتنا ومصالحنا وخيراتنا، ونحن مصرّون على استعادة كامل حقوقنا المغتصبة وأراضينا السليبة، وعلى جميع الأصعدة، وبما يتاح لنا من وسائل مشروعة وليسمّونا (متطرّفين).
إيها الناكثون لعهد الله:
{لمَ تَقولونَ ما لا تفعلون * كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلونَ}.
(الصف / 2 ـ 3){وقال الرسول يا ربِّ إن قومي اتَّخذوا هذا القرآنَ مهجوراً}.
(الفرقان/ 30)هجرتم الله، بترك العمل بالقرآن الكريم،
هجرتم رسول الله، بترك العمل بسنته الشريفة.
هجرتم الإسلام لا تعملون بأحكامه.
وهجرتهم على الداعين الى إقامة نظامه، إعداماً أو تشريداً.
اسمحوا لنفوسكم أن تهاجر الى الله لتخشاه وتطيعه، اسمحوا لأموالكم أن تهاجر الى الفقراء لكي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم.
اسمحوا لأسلحتكم أن تهاجر، لتقاتل بيد المجاهدين في معارك الإسلام مع أعدائه.
أرأيت الذين يكفرون بالإسلام، ويدّعون الإيمان!!
فأُولئكَ الذين يحتفلون بالهجرة، ويهجرون القرآن.
{والحمد لله رب العالمين}