[درس 35]
كلمة للوعي والعمل
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.
(ق/37)للكلمة معنى:
امتاز الانسان بأنه كائن عاقل ناطق يستطيع أن يعبّر عمّا في نفسه بالألفاظ والعبارات ويبين للآخرين ما يريد بيانه بالأحرف والكلمات، لذا فقد وضع للأشياء كلها الأسماء والصفات، وبذا كان عالم اللغة والكلمة عالماً مساوياً لعالم الحقيقة والواقع .. ولذا أيضاً كان للانسان نظام لغوي وتواعد واُسس يضبط بموجبها صياغة الألفاظ والعبارات، ليحفظ أفكاره، ونقل ما يريد نقله للآخرين بدقة وتأثير فعال في نفوسهم وعقولهم.
ومن هنا نشأ فن الأدب والشعر والخطابة وصناعة الكلمة والتفنن في العرض والخطاب للتأثير على النفوس، وكسب العواطف والمشاعر، وتوجيه الرأي العام والارادة البشرية عن طريق الكلمة وما يحيط بها من أجواء الفن الصياغي والصياعه الجمالية وأساليب المخاطبة والتحدث وتصوير الحقائق والتعامل مع مشاعر الناس وعواطفهم وأحاسيسهم الوجدانية ومخاطبة عقولهم.
ان معارف الانسان عن هذا العالم هي عبارة عن مجموعة صور الحقائق التي تحصل لديه عن طريق الإدراك لهذا العالم، وما فيه من حقائق الطبيعة، والإنسان والحيوان والنبات
الخ، وما يشير اليه هذا العالم الرحب الكبير، وما ينطق به هذا الوجود من عظمة خالقه وقدرة صانعه وجمال مبدعه.أو عن طريق نقل هذه المدركات من انسان لانسان آخر عن طريق الكلمة المنطوقة أو المكتوبة بصورة أساسية
وتظهر اهمية الكلمة في نقل المعاني وتعريف الإنسان بها حين تعجز حواسه عن إدراك تلك الحقائق واكتشاف وجودها.. فتقوم بدور الوسيط والمعبر الذي تنقل عن طريقه الأفكار والمعاني والمعارف لهذا الانسان.لقد ساهمت الكلمة في تطور الانسان المدني والحضاري، ونمو معارفه، ورقيّ حياته، وبناء مجتمعه، وتعريفه بخالقه وبعوالم الغيب والحقائق غير المحسوسة لديه عن طريق الوحي والنبوة.
من هنا كان للنطق والبيان قيمته وأهميته الكبرى في الحياة، ومن نعم الله على هذا الانسان.
لذا فإن القرآن يذّكر الانسان بها ويثير وعيه واهتمامه حين قال:
{الرحمن*علم القرآن*خلق الانسان*علمه البيان}.
(الرحمن/1ـ4)وحين قال:
{ألم نجعل له عينين*ولساناً وشفتين}.
(البلد/8ـ9)..وحين طالبه بوعي الحقائق وادراك المعاني التي يخاطبه بها، وينقلها اليه بقوله:
{لنجعلها لكم بذكرةً وتعيها اذن واعية}.
(الحاقة/12)وحين قال:
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.
(ق/37)وكم ذمّ القرآن وقرع أولئك الذين لا يعون معنى الكلمة، ولا يتعمقون في فهم الحقائق..حقائق التأريخ والمجتمع، وما يحيط بهم من أحداث ووقائع ولا يتجاوزون في فهمهم حدود الألفاظ وسماعها دون التأثر بمعانيها، والعمل بها، والاستفادة منها.
إن أولئك الغافلين قد أضاعوا قيمة الكلمة، وضيعوا أهدافها، ذلك لأن قيمة العلم والمعرفة التي تنقلها الكلمة الى الانسان قائمة في الأثر الذي تتركه تلك الكلمات في نفسه، وفيما تحدثه من وعي وتغيير في أعماقه وسلوكه.
ان القرآن حين يتحدث عن الوعي ويعرّفه للانسان بأنه الادراك والفهم العميق للأشياء والحقائق والكلمات والمعاني، إنما يريد من الانسان أن يحول وعيه وادراكه للحقائق الى سلوك وعمل ومواقف حياتية، ويبني علاقته بنفسه وبالناس وبالخالق على أساس هذا الوعي والادراك لكلمة الله التي بلغها الأنبياء اليه.
لذا نجده يذم ذلك الانسان المعرض عن فهم حقيقة اللفظ والاستماع لكلمة الهدى.. والذي يلوك الألفاظ والعبارات دون أن يتدبر معناها، ودون أن يحولها الى حقيقة أو يطبقها في حياته، ولا يبني أفكاره وسلوكه وشخصيته على أهدافها.
حين أنزل الله سبحانه قوله الكريم:
{إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُولي الألباب}.
(آل عمران/ 190)قال رسول الله (ص):
(ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها)(1).
ولذا ذم القرآن أولئك الذين لا تلفت انظارهم الآيات والدلالات وعناصر الاثارة في هذا العالم
التاريخ الماضي منه أو القائم الحاضر فيه، والمعاش لديهم.قال تعالى:
{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}.
(يوسف/105)وقال تعالى:
{ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يُبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}.
(الأعراف/179)وهكذا يقابل القرآن بين (الوعي) {وتعيها أذن واعية}، وبين (الغفلة والاعراض){وهم عنها معرضون} {أولئك هم الغافلون}
ليثير الحس والوعي الاجتماعي والسياسي والعقائدي لدى الانسان ويجعله عقلاً واعياً، وحساً مرهفاً وإنساناً مدركاً، لئلا يتحول الى بهيمة بعد ان يضيع عناصر التمييز بينه وبين البهائم، وهي العقل والوعي والادراك وصنع الكلمة ووعيها.ان إحدى مشاكل الانسان المسلم اليوم هي مشكلة الغفلة وغياب الوعي العقائدي والاجتماعي والسياسي
لذا فإن مهمة الطليعة المؤمنة وحملة الوعي الاسلامي الناضج من علماء ومفكرين ودعاة اسلاميين ومبلّغين وكتّاب وخطباء وصحفيين وأمثالهم ان يقوموا بمهام التوعية والتثقيف وتحسيس الأمة المسلمة بواقعها الذي تعيشه وأن يعمقوا وعيها الاسلامي بحيث تصل الى مرحلة فهم واقعها المتخلف عن الاسلام والعمل من أجل احداث عملية التغيير في الفهم والتفكير على أساس من قوله تعالى:{إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
(الرعد/11)ان الناس
معظم الناس حين يستمع الى كلمة الهدى وهو يقرأها في كتاب الله أو يلتقي بها في سنّة رسول الله (ص) لم يعد يستوعب معناها ويحولها الى قيمة عملية في حياته لقد ابتعد الانسان المسلم عن الاستجابة لكلمة الله وأصبح يردد الكلمات والعبارات باسراف دون أن يجعلها دليل عمل ومنهج سلوك في حياته.إن الاستجابة الروحية والارتباط النفسي بالكلمة الهادية وبدلالاتها أمر يحتاج من الانسان الوعي لمداليل الكلمة
والوعي لعظمة الله سبحانه الذي صدرت عنه هذه الكلمة والوعي لأهمية هذه الكلمة في حياة الانسان ومصيره قد يقرأ الكثير من الناس كتاب الله دون أن تؤثر في نفسه معانيه ودون أن تغير الآيات والأجواء القرآنية شيئاً من أوضاعه النفسية والسلوكية.إن الانسان المسلم بحاجة الى أن يعرف كيف يقرأ القرآن
كيف يقرأ معانيه وكيف يتفاعل مع دعوته ورسالته ومبادئه وكيف يستجيب لندائه.لقد كان السلف الصالح يعرف ان المتحدث هو الله، وان المستمع هو الانسان.
وهذا المستمع يعرف عظمة المتكلم، ويدرك قدس صفاته
فلم يقرأ الحروف كما يقرأها في كتب الناس لذا كان يقرأ ويستجيب كان يتعلم ويعمل.لم يكن همه جمع المعلومات وحفظ الآيات
كان انساناً عملياً سريع الاستجابة لنداء الله يبذا المال والنفس في سبيل الله، والدفاع عن مقدسات الاسلام، ونشر رسالته.وعندما يخاطب بالهجرة والتغريب يترك الأهل والأموال والأوطان والراحة والدعة ويخوض غمار الغربة، ويتحمل محن الهجرة، ويقطع الفيافي والقفار، ليحل في دار الهجرة، ويواصل مسيرة الدعوة.
وهكذا كان عندما يخاطب في أي مورد من موارد التكليف والطاعة
اذا نهي عن شيئ كان سريع الترك والاستجابة واذا اُمر بشيئ كان سريع الاطاعة والتنفيذ.لقد سجل القرآن أحداثا ووقائع تجسّد للأجيال المسلمة وعي جيل الدعوة الاسلامية الأول لنداء القرآن، واستجابته السريعة لهذا النداء، وتنفيذه لما يطلب منه.
ندون فيما يأتي نماذج رائدة وصيغاً معبرة عن هذه الحالات والشخصيات المثالية في الحياة.
ذكر الواحدي في كتابه أسباب النزول ان هذه الآيات:
{إنّ الذين توفّاهم الملائكةُ ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا* الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا* فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفورا}.
(النساء/ 97ـ99)نزلت في أناس من اهل مكة تكلموا بالاسلام ولم يهاجروا واظهروا الايمان واسروا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين الى حرب المسلمين فقتلوا فضربت الملائكة وجوههم وادبارهم وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه.
قال ابن عباس في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نزلت:
{إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم
} فلما قرأها المسلمون، قال حبيب بن ضمرة الليثي لبنيه، وكان شيخاً كبيراً:احملوني فاني لست من المستضعفين، واني لأهتدي الى الطريق، فحمله بنوه على سرير متوجهاً الى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، ابايعك على ما بايعتك يد رسول الله(ص)، ومات حميداً.
فبلغ خبره أصحاب رسول الله(ص) فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم اجراً، فأنزل الله تعالى فيه الآية:
{ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً}.
(النساء/100)وهكذا يكون التلقي لكتاب الله
وتكون الاستجابة لكلمته والاستماع لدعوته.عرف هذا المسلم الصادق انه مخاطب بوجوب الهجرة والالتحاق بدولة الرسول الهادي محمد(ص)، وانه ليس معذوراً فهو ليس من المستضعفين الذين لا يستطيعون اللحاق بالمهاجرين، رغم انه شيخ كبير، وقد بلغ المرض منه مبلغاً عظيما، وحال بينه وبين السير على قدميه، فقال لأبنائه: احملوني فلست معذوراً على البقاء بمكة.
انها لحادثة رائعة تعلمنا كيف نتلقى القرآن
وكيف نستمع لكلمة الله وكيف نستجيب لنداء الله فلا نلتمس المعاذير، ولا نتعلل باصطناع المبررات لنركن إلى الراحة والدعة، ونترك العمل بمنهج الهدى ورسالة الإسلام والاستجابة لنداء الحق مصدر الخير والنور لهذا الإنسان.ورائعة أخرى من روائع الوعي والاستجابة والفهم والعمل بما جاء في كتاب الله يسجلها لنا القرآن الكريم هي الأحداث وردود الأفعال المختلفة للناس الذين كانوا حول رسول الله (ص) حين دعاهم إلى الجهاد (في غزوة تبوك) لحمل الدعوة الإسلامية، وتحطيم معسكر الطاغوت والاستكبار
معسكر الروم آنذاك فاعتذر ضعاف الإيمان والمنافقون عن الجهاد، وتخلفوا عن رسول الله وركب المجاهدين فعنّف القرآن أولئك المتخلفين، وذمهم، وهاجمهم في آيات عديدة، منها:{ وجاء المُعَذَّرونَ مِنَ الأعْراب ليؤْذَنَ لُهْم وقَعَد الَّذين كذّبوا الله ورَسولّهُ سَيُصيبُ الَّذينَ كفروا مَنِهْمْ عذابٌ أليم }.
(التوبة / 90)وإلى جانب هذه الفئة المتخلّفة عن مهمة الدعوة والجهاد، متعللة بالأعذار والمبررات
كانت فئة أخرى تخف إلى رسول الله (ص)، للالتحاق بجيشه، وحمل الراية معه، ولكنهم كانوا يواجهون موانع حقيقية من عجز جسدي، أو عدم توفر الوسائل والإمكانات المادية اللازمة للجهاد وكانوا يستنجدون برسول الله (ص) ليوفر مستلزمات الجهاد، وينقلهم إلى أرض المعركة إلى تبوك وحين سمعوا عذر رسول الله(ص) بعدم توفر الامكانات الكافية لديه لحملهم إلى أرض المعركة، خرجوا من عند رسول الله (ص) وأعينهم تفيض من الدمع، لأنهم لا يجدون مجالاً للمشاركة في الجهاد فأولئك يبكون لأنهم لم يتمكنوا من المشاركة في الجهاد وغيرهم من كان يصطنع العذر للفرار من الجهاد والمواجهة.لذا أنزل الله قوله فيهم:
{لَسْ على الضُّعَفاء ولا على المَرضى ولا عَلى الَّذينَ لا يَجدونَ ما يُنْفقونَ حرَجٌ اِذا نَضَحوا لله ورَسولِهِ ما عَلى المُحسنينَ مِنْ سبيلٍ واللهُ غَفورٌ رَحيمٌ * ولا عَلى الَّذيَنِ اِذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قًلْتَ لا أجدُ ما أحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهُمْ تَفيضُ مِنَ الدَّمْعِ ألاّ يَجدوا ما يُنٍفِقونَ * اِنَّما السَّبيلُ عَلى الَّذينَ يَسْتَأذِنُونَكَ وهُمْ أغْنَياءُ رَضوا بِأنْ يَكونوا مَعَ الخوالِفِ وطَبَعَ اللهُ عَلى قُلوِبِهمْ فَهُمْ لا يَعْلَمون}.
(التوبة / 91 ـ 93)ذكر الطبرسي في تفسير مجمع البيان:
(قيل ان الآية الأولى نزلت في عبدالله بن زائدة وهو ابن أم مكتوم، وكان ضرير البصر، جاء إلى رسول الله (ص) فقال:
يا نبي الله اني شيخ ضرير، خفيف الحال، نحيل الجسم، وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي(ص)، فأنزل الله الآية ـ عن الضحاك ـ ، وقيل نزلت في عائد بن عمرو وأصحابه ـ عن قتادة ـ.
والآية الثانية نزلت في البكّائين، وهم سبعة نفر، منهم عبدالرحمن بن كعب، وعلية بن زيد، وعمرو بن ثعلبة، وابن غنمة، وهؤلاء من بني النجار، وسالم بن عبير، وهرم بن عبدالله، وعبدالله بن معقل، من مزينة، جاؤوا الى رسول الله (ص) فقالوا يا رسول الله احملنا فإنه ليس لنا ما نخرج عليه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه ـ عن أبي حمزة الثمالي ـ ، وقيل نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى أتوا النبي(ص) فقالوا: احملنا على الخفاف والبغال ـ عن محمد بن كعب وابن اسحاق ـ وقيل كانوا جماعة من مزينة ـ عن مجاهد ـ، وقيل كانوا سبعة من فقراء الأنصار فلما بكوا حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبدالمطلب رجلين، ويامين بن كعب النضري ثلاثة ـ عن الواقدي ـ قال: وكان الناس بتبوك مع رسول الله (ص) ثلاثين ألفاً منهم عشرة آلاف فارس).
وهكذا يسجل التأريخ أروع مثل للرجال المخلصين، وحملة الرسالة العقائديّين.. الذين وعوا كتاب الله، واستمعوا عن وعي لكلمة الله، فاستطاعوا أن يحطموا معسكر الطاغوت، وينشروا الإسلام، ويحملوا راية الدعوة الى الله سبحانه في كل أرجاء الأرض، ويبنوا الحضارة الإسلامية الشامخة.
ويسجل القرآن نموذجاً آخر من نماذج التفاعل مع الكلمة
تفاعل الوعي والاستجابة والانفعال الصادق بكلمة الله، والتأثر بمضامينها، والحرص على العمل بها.فقد دعا القرآن بقوله الحكيم:
{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون }.
(التحريم / 6)دعا المؤمنين الى العمل والالتزام بالإسلام، ووقاية النفس من الجريمة والمعصية، وحمايتها من غضب الله وعذاب جهنم.. وبالاضافة الى ذلك كلف الإنسان المؤمن أن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يتحمل مسؤولية التربية والاصلاح لأهله.. من زوجة وأبناء
الخ، لانشاء الأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح.وحين أنزل الله هذه الآية المباركة التي تحدد مسؤولية الأب والزوج الأسرية أحسّ المؤمنون الصادقون بأن المسؤولية كبيرة، والمهمة الرسالية التي كلفوا بها قد لا يستطيعون انجازها فيكونوا حطباً لجهنم.
فجلس بعضهم يبكي ويحاور نفسه كيف أُنفّذ مضمون هذه الآية..؟ وهل أستطيع القيام بهذه المهمة؟
ذكر العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه الميزان في تفسير القرآن: (وفي الكافي باسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبدالله (الإمام جعفر الصادق عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً} جلس رجل من المؤمنين يبكي وقال: أنا عجزت عن نفسي، وكلفت أهلي، فقال رسول الله(ص): حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك).
إن وقفة متأملة في استجابة هذا المؤمن وانفعاله بتوجيه هذه الآية المباركة وارشادها، وخوفه من العجز والتقصير في أداء واجبه العائلي الذي كلف به توضح لنا معنى الوعي والاستجابة، والعلاقة بين المعرفة والعمل.
وهكذا يجب أن نعي الكلمة .. ونتعامل مع المعنى.. ولا نفصل بين الفكر والتطبيق.. نتعامل مع الأفكار والمعاني، ونحولها الى واقع عملي، وسلوك تطبيقي.
ان قيمة الكلمة تكمن في وعيها والتعامل مع الحقيقة التي تصنعها، وتحويل مداليلها الى واقع عملي.
لقد ابتلي الإنسان بكثرة الكلام وقلة العمل.. حتى غذا البون شاسعاً، والمسافة كبيرة بين ما يقول ويفعل.. وبين ما يعرف وما يعمل به من معرفة.
نقرأ للعلم والعمل
لقد كان منهج رسول الله(ص) هو التربية والاعداد على أساس العلم والمعرفة، فكان يعلّم أصحابه العلم والعمل معاً، وبذا كان معلماً ومربياً، لا يفصل بين العلم والعمل.
فقد ورد عن عثمان بن مظعون وابن مسعود وأبيّ: (ان رسول الله(ص) كان يُقرئهم العشر فلا يجاوزونها الى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً)(2).
ان هذا هو المنهج الإسلامي البنّاء الذي يجب أن نلتزم به ونسير على هداه.
ان الله ليبغض الذين يقولون ولا يعملون:
{يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون}.
(الصف/2 ـ3)لذلك جاء في الحديث الشريف عن رسول الله(ص) قوله: (ليس القرآن بالتلاوة ولا العلم بالرواية، ولكن القرآن بالهداية والعلم بالدراية)(3).
وأضاف الرسول الكريم(ص) في حديث آخر ان قارئ القرآن من قرأه وعمل به وإلا فلا، إذ يقول(ص): (أنت تقرأ القرآن ما نهاك، فاذا لم ينهك فلست تقرأه)(4).
علينا أن نحاسب أنفسنا على تطبيق ما تعلمنا ووعي ما قرأنا.
علينا أن نتعامل مع كتاب الله بوعي، وننصت لكلمة الله لنعمل بها.. ولنجعل القرآن كتاب علم وعمل
فاذا قرأنا:{والعصر * إنَّ الإنسانَ لفي خُسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
(العصر/1 ـ3)علينا أن نعرف أننا خاسرون.. ومن يربح المال والجاه والقوة وأمثالها ولا يستخدمها وفق منهج الله.. فإنه خاسر.. علينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة كما يتعامل التاجر مع صفقة تجارية عندما يعرف أنها صفقة خاسرة.
ان الربح الحق هو لمن آمن واهتدى وعمل صالحاً.. والتزم بمنهج الحق ودعا إليه، وصبر على الحق ودعا الآخرين للتمسك به.
يوصي نفسه ويوصي غيره، ويستمع الى النصيحة في مجال الحق والصبر.
وإذا قرأنا: {ولقد جئتُمونا فُرادى كما خلقناكُم أول مرّةٍ وتركتُم ما خَوّلناكُم وراء ظُهوركم}.
(الأنعام/194)فهمنا ان الدنيا زائلة، وأن ما بأيدينا من قوة ومال وجاه، وما نتنازع عليه ونتصارع من حطام الدنيا زائل.. وسنتركه لغيرنا، ونتحمل آثامه ان لم نستخدمه الاستخدام السليم الذي يرضي المالك الحقيقي وهو الله الذي خولنا إن نملك ونتصرف.
وإذا قرأنا: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفُسكُم في سبيل الله ذلكم خيرٌ لكم ان كُنتم تعلمون}.
(التوبة/41)استجبنا لهذا النداء وسارعنا للجهاد بالكلمة وبالمال وبالنفس، دفاعاً عن الحق، ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
وإذا قرأنا: {ولا تركنوا الى الّذين ظلموا فَتَمسّكُم النّارُ}.
(هود/113)جعلنا هذه الآية منهاجاً لسلوكنا السياسي والاجتماعي، وقاطعنا الظالم وابتعدنا عنه.. فلا نتعاون معه.. ولا نستجيب له.
واذا قرأنا: {وَمن لم يَحكُم بما أنزلَ الله فأولئك هُم الكافرون}.
(المائدة/44)عرفنا أن الحكم والسياسة والقانون يجب أن يؤخذ من كتاب الله وسنة نبيه.. وان ترك الكتاب والسنّة والعمل بغيرهما كفر وضلال.
وبذا نحدد موقفنا من القوانين والأنظمة التي لا تستمد من كتاب الله وسنّة نبيه ومن الذين يعملون بهما.
{إنّ الله يأمُرُ بالعدل والاحسان وايتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي يعظكُم لعلّكم تذَكَرون}.
(النحل/90)فرضنا على أنفسنا الالتزام بالعدل في كل شيء، وتوجهنا الى الاحسان للآخرين ووصلنا أرحامنا وابتعدنا عن الفحشاء والمنكر والبغي والعدوان على الناس باليد أو اللسان أو غير ذلك.
علينا أن نفهم ان الذي يخاطبنا ويكلمنا هو الله، الملك، القيوم، العالم، الحكيم.
فلنعرف كيف نتعامل مع كلمة الله، وكيف نستجيب له، وننفذ ارادته
وكيف نتعامل مع الفكرة والمعنى:{فبشّر عبادِ* الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنهُ
}. (الزمر/17 ـ 18)والحمد لله رب العالمين
___________________________
1ـ العلامة الحلي/ الباب الحادي عشر.
2ـ تفسير القرطبي / ج 1 / ص39.
3 ـ كنز العمال/ ح2462.
4 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد/ج10 / ص23.