والجمود الملحوظ على غالبية المسلمين في عصرنا الحاضر ظاهرة طارئة يبرأ منها الإسلام كرّسها الاستعمار الكافر بمختلف وسائله الماكرة لتستقر في أعماق أوضاعنا "قابلية التخلف" التي حاربها الإسلام العظيم بلا هوادة في جميع منطلقاته العقائدية والعبادية والسلوكية.
وإن حركية الفرد والمجتمع في ظل التمسك بالإسلام كفيلة بأن تدفع "الواقع" نحو الرقيّ والتقدم، بصورة صاعدة، يظل فيها السعي حثيثاً نحو تغيير الصالح بالأصلح..فلا مجال في ظل الإسلام للخضوع والقناعة بما هو قائم فعلاً على الإطلاق.. حتى ولو كان صالحاً..
ذلك ليظل يوم المسلمين خيراً من أمسهم
ويظل غدهم أفضل من يومهم.. وعلى طول المدى..وقد عبّر أمير المؤمنين علي (ع) عن هذا المنطلق الحركي العميق بقوله: "من تساوى يوماه فهو مغبون".
فلابد من السعي نحو الأحسن والأصلح..
ما هو العمل الصالح؟
الإيمان بالله وخدمة المجتمع وفق منهج الإسلام: دعامتان يقوم عليهما العمل الصالح.
فلا يكون العمل صالحاُ من غير الإيمان بالله.. إيماناً يوفر التحرر الروحي من رواسب المطامع المادية {.. إنّما يَتَقبلُ اللهُ مِنَ المتّقينَ}.
(المائدة/27)ولا يتحقق الإيمان بالله بصورة عملية من غير خدمة المجتمع
خدمة تجسّد الإيمان العملي والالتزام الفعلي بالإسلام: {أرأيتَ الذي يُكذّبُ بالدينِ * فذلكَ الذي يدُعُّ اليتيمَ * ولا يحضُّ على طعامِ المسكِين} (الماعون/1ـ3).فإذا اجتمع الإيمان بالله تعالى والإحسان إلى المجتمع طبقاً لأوامر الله ونواهيه.. بلغ العمل أعلى مراتب الصلاح: {ومَن أحسنُ ديناً ممَّن أسلمَ وجهَهُ لله وهوَ محسنٌ..}. (النساء/125)
إلا أن المسلم لا يكتفي بالعمل الصالح، وإنما يسعى جهده نحو الأصلح.. ولا يرتضي الوضع الحسن بل يدأب لتحقيق الوضع الأحسن.. وعندئذ فمن فضول القول أن نقرر أن المسلم يرفض الفساد ويقاوم الانحراف ولن يغمض له جفن ولن يهدأ له بال إذا ظهرت في المجتمع بوادر الكفر أو الضلال.. فيندفع نحو التغيير والإصلاح.. في سبيل الله.. لينال مثوبة العمل الصالح:
{ذلكَ بأنَّهُم لا يَصيبهُم ظمأٌ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ في سبيلِ اللهِ ولا يَطأونَ موطئاً يغيظُ الكفارَ ولا ينالونَ من عدوٍّ نيلاً إلا كُتِبَ لهُم بهِ عملٌ صالحٌ
}. (التوبة/120)الأخسرون أعمالاً:
وكل عمل، قولاً كان أو فعلاً، سياسياً كان أو اقتصادياً، وعظاً كان وارشاداً أو بذلاً وإنفاقاً، قام به الفرد أو الجماعة، من حاكم أو محكوم، مهما زعم أنه صالح ومفيد، وثوري وتقدمي، ما لم يكن طبقاً لمنهج الإسلام فهو باطل:
{
أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ ولا تُبطِلُوا أعمالَكُم}. (محمد/33)وهؤلاء الذين يصدّون عن الإسلام، وينشدون الصلاح في غيره من المناهج، قد لمسوا لمس اليد فساد تصرفاتهم، وضياع بلدانهم، وشقاء أنفسهم وشعوبهم، ومع ذلك لا يرعوون: {وإذا قيلَ لهُم لا تُفسِدوا في الأرضِ قالوا إنَّما نحنُ مُصلحون}.
(البقرة/11)إنما هؤلاء يتوهمون أن في الديمقراطية حرية ومساواة.. أو أن في الاشتراكية سعادة ورفاهية
ولقد ظهر فعلاً زيف الديمقراطية وفساد نتائجها.. كما ثبت واقعاً فشل تجارب الاشتراكية والحادها في شرق العالم وغربه:{ذلكَ بأنَّهم كرِهوا ما أنزلَ اللهُ فأحبطَ أعمالَهُم}.
(محمد/9)وإن هؤلاء خسروا أنفسهم فهم في الأذلّين.. وخسروا بلدانهم وأضاعوها فهم من الخائنين.. وخسروا أعمالهم فهم من المعذبين يوم القيامة:
{قُل هل ننبِّئكُم بالأخسرينَ أعمالاً * الذينَ ضلَّ سعيُهُم في الحياةِ الدّنيا وهم يحسَبُونَ أنّهُم يُحسِنون صُنعاً * أُولئكَ الذينَ كفروا بآياتِ ربِّهم ولقائِه فحبِطَت أعمالُهم فلا نُقيمُ لهم يومَ القيامةِ وزناً}.
(الكهف/103ـ105) يا أُمة محمد (ص): إن الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وأضلهم وأعماهم عن الإسلام، فصاروا ذيولاً للغرب والشرق، إنما يحملون معاول الهدم لكل صالح.. والفساد لكل عامر.. ويشيعون في الناس الإرهاب.. وفي الأرض الدمار والخراب.وإن الله تعالى ما خلق الإنسان والموت والحياة لهواً ولا عبثاً بل للامتحان والاختبار..
ليظل الإنسان محسناً في الأرض ويظل المجتمع يتحرك نحو الخير والكمال.
خلق الله الإنسان والحياة وجعل له شرعة ومنهاجاً ليختبره: كيف يطيع أوامره ونواهيه
كيف يخلص في عقيدته ويثبت على إيمانه.. كيف يخدم أُمته ويدافع عن بلاده، ويسعى لسعادة الآخرين..وخلق الله الإنسان والموت ليختبره كيف يسمو بنفسه فيسخو بما يملك في سبيل الله.. كيف يعمل ولا يخاف.. كيف يبلّغ رسالة الله ويخشاه ولا يخشى أحداً سواه.. كيف يصبر ويصابر.. ويكدح ويتحمل.. ويعاني ويقاوم.. ويضحي حتى يجود بنفسه شهيداً في سبيل الله..
نعم في سبيل الله..
{الذي خلقَ الموتَ والحياةَ ليبلوَكُم أيّكم أحسنُ عملاً..}.
(الملك/2)